سيرة 43
لم يكن في حقلنا فراشات ..
أو على وجه الدقة ، لم أكن أشاهد الفراشات في الحقل ، و لا فيما سواه ..
و لعلي لم أكن أدري بوجودها أصلا ..
عندما أخبرنا المعلِّمُ في الفصل عن وجود الفراشات ، و جمالها ، و أسهب في الشرح حول دورة حياتها ،،،،
لم أجد ما يعينني على تكوين تصور دقيق حولها ..
و عندما سألتُ أبي :
- ما الفراشة..؟!
صمت طويلا قبل أن يجيبني بود :
" الفراشة هي .. حقيبة ألوان طائرة " .
سيرة 44
عندما أشاهد جماعات تحفيظ القرآن في المساجد ، تلك التي جلستُ في حلقاتها ذات وعي خاص بالقرآن العظيم ، أتساءل :
- تُرى من يفكِّر بقهر أمَّةٍ هؤلاء النشء هم مستقبلها ؟!!
سيرة 45
لم يكن من السهل عليَّ مجابهة أستاذ النقد الأدبي ، الذي يستطيع بقليل من التضجر أن يعيدك لصفه عاما آخر ، أو أعواما متعددة ، أو أن يقرر تأمل وجهك البهي لأجيال و أجيال ... و أنتَ تكافحُ في مادة النقد الأدبي ، تلك الشرسة ، آملا أن تجتازها .. أو حالما - على وجه الدقة - أن تجعلها من ماضيك الدراسي ..
أتذكر ، عندما قال :
- كان " أرستوفان " يعلي في الضفادع من شأن الاتجاهات التقليدية ، التي تتبنى زرع القيم العليا في أثينا ..
فقلتُ بمكر :
- لذا ، صادر يوربيدس .. يا أستاذ ؟!
فسأل - مستنكرا - :
- ماذا ؟!
قلتُ :
- كان محقا .. في إعادته لأسخيليوس إلى أثينا ..
فانتشى قبل أن يمنحني وسام سعادته بي :
- أحسنتَ يا بني ..
.
لستُ في حاجة لتذكر ما كان يهمس به رفاقي في تلك المادة ، لأنه استمر إلى ما بعد الانتهاء من دراسة المادة في ذلك العام ، و لما تلاه من أعوامٍ دراسية أخر :
- لقد كاد أن يضيع مستقبله في سبيل نصرة الحداثة ....
.
سيرة 46
في " المهاجر " ، كتبتُ ذات حكمة :
عندما تبحثُ عمَّا تمتمنا في مسرى الرَّمل
بعيداً عنهم ، لا تحزن
وَقِفْ في الكلماتِ بريئا
قِف وحدَك ،
وانثر أنغامك في وجه الشمع ..
و لا تحزن / أبدا .. لا تحزن
فالأوطانُ هي الأبعد ...
سيرة 47
بكل صدق ، هتف بهم :
- أنا المسؤول ، إن هذا الخطأ ما كان له أن يقع لولاي .
فقرروا أن يبعثوا به إلى أحد المتاحف ، ليضعه في قفص آمن و يكتب عليه :
" نموذج عربي انقرض منذُ قرون "
سيرة 48
كنتُ يائسا ، أشعر بضجر الأشياء من حولي ..
و بهمجية هذا العالم ..
عندما سألني صديقي :
- ما بك ؟
أجبتُ :
- لا شيء ..
ثم بغمغمة لا تتجاوز صدري :
- شيء متعلق بالقيم ، يعني لا شيء .. لا شيء
سيرة 49
" يحبونني ميتا كي يقولوا :
لقد كان منَّا ، و كان لنا " .
....
محمود درويش ، وعيا به و بنصه لن أعلي من شأن ميتٍ لكونه ميتا فقط ، و لم أفعل ذلك من قبل ...
..
حين رحل صديقي ، لم أشعر بالندم ... لأنني لم أدع شيئا يستحق القول لم أقله ..
و لم أترك فرصة لفعل الدهشة لم أستثمرها
...
نحن نندم على ما لم نقل
ما لم يسعفنا الوقتُ لقوله ...
أو فعله ..
لذا ، عندما رحل صديقي لم يتملكني الندم .. ،
لكنني شعرتُ بالفقد
و يالهذا الفقد ... يا صديقي
يالهذا الفقد . .
.
__________________


رد مع اقتباس