سيرة 70

يحزنني الاحتفاء بمنيف بعد موته ..


.....

أتذكرُ كيف كنتُ أقرأ " النهايات " ، كيف كنتُ أقرأ بشغف ..
بعيدا عن كل رواياته الأخرى التي قرأت ، سكنتني النهايات حتى الغرق في تفاصيلها ..
الجدب / عساف / أهالي الطيبة ..


روايات منيف و لاسيما " النهايات " صاحبة سَفرٍ طويل معي ، حين أذرع ممرات الجامعة أبحث عن شيء كان ينبغي أن يكون نتاجا لحياة أكاديمية طالما حلمتُ بها ، إلا أنني أرتدُّ إلى مكتبتي ففيها العزاء ..



بالتأكيد ..



سيرة 71

صرتُ مؤمنا بشكل شبه دائم و مستمر :
- أنك تحظى بالردو و المجاملات على مشاركاتك بقدر ما ترد و تجامل الآخرين ، تماما كمن يمشي في مواكب الموتى احتسابا لمن سيمشي في جنازته .
- أن مواقع الشعر ، و صحفه ، و مجلاته ، و قنواته .. متاحةٌ للوجوه الإعلامية و المكرَّسة و الصديقة ، تماما كالدعوات الخاصة على العشاء .
- أن لا كرامة لنبي في وطنه .
- أن الموتى فقط في وطننا العربي هم من يعتلي منصات التتويج .
- أن هناك الكثيرين و الكثيرات ممن يتاجرون بجرحهم و أحزانهم ليكتسبوا شعبية خاصة .
- أن المثقف في ذيل القائمة من كل شيء .
- أن من أصابته حرفة الأدب أخطأه الشَّبع .
- أن رسائل التهنئة و " مسجات " الجوال ، و تلويحات المعايدة لا يتجاهلها إلا من لا يستطيع الفرز ، و تحليل المواقف و قراءتها بشكل واعٍ .
- أن السيرة ليست عملا مجانيا يغتصبُ خصوصية الفرد بقدر ما هي مساقط ضوء تنعش الذاكرة .
- أن الشعر يحتضر .
- أن الرواية لا يكتبها إلا المجربون لا القراء بكثرة .
- أن القصة الطويلة تُسمَّى في وطني رواية .
- أن الرواية السعودية وهم .
- أن عبدالرحمن منيف ليس روائيا سعوديا أبدا .
- أن الفن التشكيلي بمدينة جدة يأخذ حيزا كبيرا و مستحقا من الساحة الإبداعية .
- أن النادي الأدبي بجدة أصبح مأوىً للأرامل و المطلقات و سيدات الأموال لا الأعمال اللاتي ضجرن من البحر .


سيرة 72

مالذي بقي في ذاكرتك من أيام الدراسة الثانوية سوى مكتبة ثانوية هوازن التي وارتك - من دون قصدٍ منك - عن أعين من طلبوك لأداء واجباتك ؟

سيرة 73

قل هو الحب
و ما ينهار ينهار، فما بعد العرار
غير مجهول الصحارى وتفاصيل الفرار


...........


يعلمني هذا الشِعر أن أعود للكتّاب أو الكتاتيب لأتعلَّمَ كلما قرأته


يعلِّمني هذا الشعر أن قاسم حداد مثلا لم يصل لما وصل إليه من فراغ


أو من حرصٍ على الحضور الإعلامي فقط



يعلمني هذا الشِعر أن أخلد للنوم و أنا أهجس بقصائد من نور




و نار



.


__________________


سيرة 74

صديقي الشاعر يدهشني إصراره على إسماعي قصائده التي لا تنتهي ..
و في كلِّ مرَّّة
ألتفت إلى الجدار ، و أقرأ داخلي :
كان أبي يسمعني الشِعر ، و عند رؤيته لي شارد الذهن يسألني غاضبا :
لماذا لم تحفظ ما قلته لك مراتٍ عديدة ؟ لماذا لا تُنصتْ الآن ؟

...
أبي ..
إنني كائنٌ قرائي ، فاغفر لي و لعي بالكتب ..
إنها الحقيقة ، أنا أدرك ما أقرؤه تماما .. أما ما أسمعه منك و من الآخرين - حتى ولو كان شِعرا - فإنني لا أفقه منه شيئا ..!


..
و مازلتُ أستمع إلى حفيفِ الشعر ينساب قريبا منِّي ... بلا جدوى !
.


__________________

سيرة 75

النفط هو خصوبة اليوم
أما المطرُ فقد غدا أسطورة الرعاة في كتبنا القديمة
و في ذاكرتنا الجمعية المستندة إلى حكايات الجدات عن الغيم ،
و إلى قصائد الهزاني .. الشعبية !
.................

سيرة 76

بين " سيرج " و بين " فرونسكي " ..!
بين الزوج الضرورة / العادة / حاجة المجتمع / السقوط في الشَّرف
و بين العاشق / القلب / الاختيار / الفائض عن حاجة المجتمع و الآخر / السقوط في الرذيلة ..
و أخيرا ..
بين القبول و بين الرَّفض
بين العربة الأولى .. و بين العربة الثانية
أو ،
تحديدا بين العجلتين / الأولى و الثانية ..
تبدو لي آنا كرنينا .. أجمل ما قرأت من الأدب الروائي المترجم .. عن الروسية !


سيرة 77

لم تتسرب " مكة " إلى قصائدي إلا مرَّة واحدةً في " رؤى " :
( .../ أفقدُ مكَّةَ / أفقدني .. ) .
- ترى ، لماذا رأيتها حينئذٍ ماثلةً في مواتي المقيم ؟!


___________
سيرة 78

الجداول تنتفي هنا .
هي لا تبرِّر أفعالها ..
و تتاجر بالكثير من جراحاتها لتستجدي الحب ، و العطف ..
و العبور كثير / غيض من فيض بنظرة مستقبلية .

الجميع ينامون ..
و أنا أثقبُ جدران المدينةِ بتأملاتي ..
و أتذكرُ المعارك الطفولية غير المبرَّرة .

الجداول تنتهي هنا .
هي كائنٌ رقميٌ لا يعدو كونه خطاً باردا يصلني عبر العالم إلى غرفتي بأحرفٍ متقطعة و نائية ..
هذا يدعوني لأتساءل :
هل يغضبُ المرء من حاسبه الشخصي ؟

سيرة 79

يبقى غناء الجدَّات في ذاكرةِ الألعاب المبتكرة
كليالي طويلة ينيرها الزَّيتُ و الوجوه الشاحبةُ من أثرِ الحقول .
يكبرُ الأطفال ..
و يغني الأبُ رحالاته الغابرة بعيدا عنك
و تهتمُّ الأم بتفاصيلِ المحيط من إبرٍ و معاطف شتائية لا تقي من الحزن .
يكبرُ الأطفال ..
و تظلُّ الرياحُ في الخارج متعطشة لرفيقٍ غضِ الحلم كي يرافقها إلى المستقبل !
تماما .. كغمامة مزهرة بالوعود .

سيرة 80

لمَ السؤال الدائم عن شواعر جدَّة ؟1
- تلكَ مدينة من نور ،،،
هذا ما قلته ..
قال آخر :
- المجدُ للنساء في مساربهن .. الضَّاجّة بالحرف .
و قال عابرٌ يستفيق من وهجٍ و جنون :
- المدن لا تلفظ النساء ! .
...
بعد عامٍ من " المحمل " و " العلوي " و " التحلية " و " بارنيز " و نوافذ حبلى بالمشاهداتِ الآتية و لا ريب - إذ تعدُ بذلك - رأيتُ في " جدَّة " امرأةً عابرةً في أجمل خطاياها ...
لم تحدثني عن قصائدها المؤودة ؛ و لكنها سألتني عن غريب يفتش عن وطن ..
أشرتُ إليها :
- إنه هناك ، حيثُ يبقى بعيدا عن الأذى ..
فقط .. " بعيداً عن الأذى " يا سيدتي !.



.


__________________


سيرة 81

قال : عندما تكفُّ عن الدَّوران سأكون ،
أما أنت فستظلُّ تُحدِّقُ في بقايا نهار يستمر فيك كالطاعون / يتصاعد .
قلتُ : جسدٌ أصعده / يأسرني ..
كلماتٌ توغل في الظِّلِ و كلماتٌ توغلُ في الإطراء ..
قال : كيف يكونُ لكَ أن تبررَ خطاياك ، حتى و إن كنتَ مثقفا ؟!
نظرتُ إليَّ ، و رحتُ أتمتمُ :
أسكنُ بحرا / أنثى ..
أو
أقمعُ رقصَ غبارٍ لم تغزله الريح ..!!


سيرة 82

لم يورثنا والدنا ما ورثه عن آبائه ..
ثروته الكبيرة تبددت - رغم اجتهاده - في غمضة بؤس
صرنا بلا ثروة ..
فقط
أورثنا حبّ الشعر ..

و قليل من حريّة التعبير في فضاء يقمع حتى الهواء .


سيرة 83

خيالُكَ يُلْغيكَ:‏
طفلٌ تَعَبَّدَ.‏
ليلٌ تَجاسَرَ.‏
قافيةٌ أُسْلبتْ.‏

هكذا تأتي النصوص ، ملتبسة بالوعي تارة ، و تارة تأتي و قد تخضبت بسكون يحرك الأشياء .
في " مازلتُ آملُ " كانت الأشياء تتحرك من حولي ، و كان النص الديني على أشده ، هو النص الوحيد الذي ذيلته بتاريخٍ هجري ، ذلك أن رمضان يختلف قليلا ؛ فهو شهر القرآن .. مثلا :
كنتُ مفتونا منذ صغري بتأمل " تحولات الخطاب القرآني " ، قلتُ : عندما أكبر قليلا سأناقش هذه القضية ! سأبين للعالم كيف أن القرآن يتحول من الخطاب المفرد إلى الجمع و من الغائب إلى الحاضر أو العكس ..
في القرآن العظيم هناك أسلوب سردي مذهل ، فالمسكوت عنه يكاد يجعلك تتمايل طربا و أنت تتابع قصة يوسف ، او تقرأ شيئا من سير الأمم الغابرة ..
جاءت " ما زلتُ آملُ " لحظة حضور النص الديني ، فكانت بالنسبة لي بداية لمرحلة جديدة ، و إبحار للمرة الأولى تجاه اللغة بشكل مباشر .

غداً..‏
تَعَوَّدْ على اليُتْمِ في حَلَباتِ التَمَدُّنِ.‏
لا بُدَّ منْ..‏
ولا بُدَّ منْ..‏
غداً،‏
وليسَ لوادِ الظنونِ نشيجٌ..‏
كباقي الدِّمنْ.!!‏
وليسَ التأمّلُ إلا صَدىً للتزَامنِ،‏
أو للزَّمن.‏
غداً..‏
رجاءُ "لعلَّ"‏
سيغدو "لماذا"؟!‏
وفي راحتيكَ،‏
ستطلبُ خيلُكَ منكَ ملاذا.‏

مازلتُ آمل


__________________


سيرة 83

أهربُ / ألغي المسافة منذ المسافة حتى حنيني ..
صوري ..
ربما ذات يومٍ سأشعلُ فيها غنائي الوحيد
صوري ..
ربما ذات طلعٍ سأخبرُ قومي لماذا كرهتُ الصور ..
ربما صوري ..
يدي و هي تنسج أغنيةً دافئه
و طني و هو يُنْشدني آخرَ الغرباء
ظلُّ أمي و هي تخاطبُ أيامها الخاليه .

صوري ..
ربما صوري ..
هي ذات المسافة بين حنيني و بين المنابرِ :

( ليلى ..
أخبريني لماذا نحبُ الصور ..؟!
و لماذا تسمَّر فيها العبورُ
و لم يشعروا بالآمان ؟! ) *



.

*) ذات نص في : قصيدتان للمغني / مرثيتان توغلان في دمي


__________________


سيرة 84

.. / و أشرح للعبيد مرارة الأسياد ..
...
هكذا كان تكريس المعنى في غير جهته الأصلية / الأصيلة
أن تأتي في نص شعري
هو أن تخترق العالم
أن تضع قدمك على أول الحدس ، ثم عليهم هم أن يتذوقوا هذه المرارة ..
مرورا بانهيارات / و نكسات / و نكباتٍ لا حصر لها ..
و كأني بالشِعر يلغي الأمكنة
و يضل طريقه إلى زمن الخيبة و الجهل و الفساد ..
في العصر العباسي قتلوا " بشار بن برد " و قد شارف الثامنة و الستين من عمره ، فأخذوه بجريرة الحرف
و في هذه العصور الحجرية صادروا الكثير من وهج الأحرف / طمسوا القائل / و علَّقوا النَّص على بابِ التأويل عبرة لمن اعتبر ..
ألم ير العباسيون بياض الحكمة يتخللُ وقار الشيخ قبل أن يهبوا له آخرة قد يكونوا اشتروا فيها منه جرائره فباؤوا بغضب على غضب ؟
ألن نرى في هذه العصور الظلامية اي نبوءة يحملها الشاعر و نحن نقدمه إلى عذابه الثاني المتمثل برفضه بعد أن كابد عذابا أول باقترافه الوعي ؟!


.. / غدا ؛ ( وعداَ )جريئاَ جاء
يخالطني
و يقسم أنني لغةٌ / فضاءٌ طاف بالأسماء ..
و حدَّثهم
عن التاريخِ و الأسياد
و بلَّلهم
بفيضِ قصيدةٍ عذراء .


...........

يالهذا الجنوح !