من نصوص الأمسية التي رائعة بكل المقاييس:

المغني الخائف
إلى إبراهيم طالع :


شعر : محمد زايد الألمعي

مرة مر بالمدينة صدفه
حاملا أثقل الهوى وأخفه
قروي رأى القبائل تلقي
تحته شارعا وترفع شرفه
- -
جاس في تيهه الفراغ وغنى
كي يداجي عن شارع الأمن خوفه !
كتب الناس خفية ومحاهم
ثم أخفى عن خوفهم ما استشفه
فرأى الأرض غابة من نحاس
ورأى طلقة تخاتل نطفه !
ورأى ما رأى بأحداق صحب
أججوا شكه فكذب طيفه
فانثنى قافلا لسدرته الأم
م منيخا بين القبائل حرفه
فإذا قرية عقيم وحقل
ودماء تنز من كل قطفه
- -
مدن لا تراه إلا غريبا
وقرى لا تريده غير طرفه
هكذا يذرع البلاد كطيف
يختفي فجأة ، ويأتي كصدفه.





وأنتِ معلّقةٌ في الكلام

محمد زايد الألمعي

حين لا تشبهين النساء
ولا أشبه الآخرين
نلتقي في الكآبةِ
طفلين ..
يقتسمان الجراح
وتفاحة الوهم
والأمنيات
* * * * *
حين لا تشبهين النساء
ولا أشبه الآخرين
أمدّك بالحزنِ
أطلب منك مزيداً من الهمّ
فالوقت معبدنا
حين نرقص في ظلّهِ
سادةً .. متعبين
* * * * *
نعاقر قهوتنا والكلام الجديد
ونختلس الحبّ
بين دفاترنا الخشبيّةِ
نستنبت النار بين مواجعنا
فتحاصرنا ريبةٌ
بين جدران هذا المكان
* * * * *
..... وأهجسُ :
لو كان ما بيننا يشبه الآخرين
لأرتعدت اضلعي
من هباء الخطيئةِ
وانقشع القلب من وكرهِ
وتقافز بين المقاعد طيراً
تشرنقه أعين الجائعين
* * * * *
قلتُ :
سيدتي كم تبقى من الحزنِ
كي يعبر الجسد المتوحشُ
نحو الضياءْ ؟!
قلتِ :
حتى تخطّ شرايينُنا في الشوارعِ
معزوفة للدماءْ !
قلتُ :
نذهب أدركنا الوقت ؟
ـ أو أنه الوقت أدرك أحلامنا ـ !
قلتِ :
تهرب من ثرثرات النساء
فتدخل في ثرثرات النساءْ !
* * * * *
ليس هذا الذي في الكراريس وجهك
ليس لعشب الخطيئة
أن يتهدّلَ فوق جبيني
وليس لنا في الفضاء سوى مقعدين
وبينهما تنبت الكلمات التي
بحث القلب عنها ثلاثين عاماً
* * * * *
وها إنني ـ تحت هذا المساء ـ
أمدّ كلامي
وأعقد أرسانه
ثم أنفث فيه دمائي
وأنهضُ ..
........
إن النساء يعلقن أقراطهن
على هذه الكلمات
وأنت معلقةٌ في الكلام ،
سواهن أنتِ
فلا تشبهين النساءْ
ولا أشبه الآخرين ..!



يتهجّى الطفلُ مراثيه
محمد زايد الألمعي


سأعدُّ القطرات ..
ـ إذا انثبجت مثقلةً بالنار وبالكلمات ـ
.. أعدُّ القطرات
ويقبلُ طوفان الشارات العوج
والطفلُ هناك
يلفظهُ بابٌ في الجدران المنصوبةِ
في الجبل المتكيء هناك
يتلفت ، تصفر في جنبيه الريحُ
هناك
يتعرّج منحدراً حتى الجهةِ الأخرى للأرض
هناك
يرشقهُ الأطفال مشاكسةً ،
فيفرُ إلى البرد المتشجر في ظاهر كفيه
هناك
كم يبكي الطفلُ !!
وكم كنت هناك !
انشجُ :
.. يا وجه بلادي يبدو أنّ زماناً
سوف يدقّ العتمة في وجهينا
ـ يبدو أنّ ـ
وأنّ الأرض ستغرسُ حرقتها في نوء دمي ،
وستشرب هذا السيل من الكلمات
* * * *
سأعدُّ القطرات
ـ إذا انثبجت مثقلة بالنار وبالكلمات ـ
.. اعد القطرات
ويقبلُ طوفان الشارات العوج
والطفل هناك
طفلٌ يأتي من جبل الله
يلهثُ في أرض الله
يشربُ من ماء الله
يقرأ في كل البؤساء ضياء الله
طفلٌ حين يصلي ؛
تعتاد الأشجار على الصدق
ويعتاد الله
الجبل ،
الأرض ،
الماءُ ،
البؤساء ،
الصدق ،
تناءوا حين انحاز الطفلُ إلى عينيه
كم مات الطفل !
وكم كنت هناك !
يسائلني الليل الممتد إلى نافذة الموتى
صوتاً
ـ فأساند نجواه الوثنية
وهو يُسافِحُ احلامي ـ
....
كان الطفلُ مهيباً في ميتتهِ وجميلاً ..
أعظم من نهرٍ تحت البرق المثلوم الأزرق
.. أشرف من بيرق .
....
كانت جدران الأوكار الحجريّةِ في خصر الجبل
تساقِطُ كِسر الضوءِ الخافت غبّ المطرِ ،
وكان الطفل وحيداً في ميتتهِ ، وشتائي
يتقاسمه الدفتر والكلمات ؛
إذ أتهجى وجهَ بلادي :
تنهمرُ الخيل الغضبى
إذ أتهجى روحي :
تنبلج الرؤيا
إذ أتهجى الطفل :
تدور على عينيّ الشارات المعوجّه
أتهجى أوجههم :
كانوا ينزلقون صباحاً نحو منافينا الأولى
تتشرّبنا رائحة الطين المغرورق ،
والألواح السوداءْ
وتشتتنا تلك الهامات الجرداءْ
آهٍ .. كم كانت تلك الهاماتِ شتاءً
كان الموت شتاءً
كان الطفلُ شتاءً
.. كانت كلّ فصول الليل الوثنيّ شتاءْ
.....
كان الكهل يقول :
" ستدقّ الخيلُ السودُ منى
فتزلزلُ صنعا "
ـ كان الطفل جميلاً في مشيته وحزينا
عرفتهُ الاحياء الاسمنتيّةُ والطرقات السود
صافحها في شكّ ، كان يعدّ خطاه عليها
كم كان يخاف الاسمنت / الأعمدة الناريّة ،
والماء الخاثر في الاسفلت ـ
كان يقول : ـ
" الثعبان الأسود في السروات سيأكل أولادي "
ـ أتعلّق في صيفٍ يشطرني ، ويعلقنـي في عروة غيمة
وأدور على أبواب شتاء يتناصفهُ الدفتر والكلمات
.. وجهي منطفيءٌ خلف سراجين وعُتمه ،
والطفل وحيدٌ في مأتمِهِ يتهجى مرثاة امانيه ـ
و ......
.... كانوا يديرون الرؤى مطراً
والأرضُ لم تستحـــي ما وأدت
فكأنّما ريحٌ تعابثهـــــم .......
فإذا استكانوا في المدى سكنت
ها أنت رهن الوقت تقرؤهـــــم
فبأي طلْعٍ عينــــك اقتربت ؟؟
ـ لا شيء ـ إلاّ ريبةٌ نبتــــــــت
فوق العيــــون ، ولعنةٌ صمتت
أخلاطهم في الموت تشبهنــــــــــا
وحياتنــــــــا في موتنا اشتبهت