![]()
الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي
كان للدعوة التي قادها جمال الدين الأفغاني أثر كبير في نشر الفكر الإصلاحي السلفي في الجزائر، فرغم الحصار الذي ضربه المستعمر لعزلها عن العالم الإسلامي، زار الشيخ محمد عبده -تلميذ الأستاذ جمال الدين- الجزائر عام 1903م، واجتمع بعدد من علمائها، منهم الشيخ محمد بن الخوجة، والشيخ عبد الحليم بن سماية، كما ألقى في الجزائر تفسير سورة العصر. وقد كان لمجلة العروة الوثقى ومجلة المنار، تأثير كبير على المثقفين من أهل الجزائر، الذين اعتبروا دروس العقيدة التي كانت تنشرها (المنار) للإمام محمد عبده، بمثابة حبل الوريد الذي يربطهم بأمتهم.
استمر الاتصال الفكري بين الجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية ولم ينقطع، فقد شارك الشيخ عمر بن قدور الجزائري بقلمه في جريدة (الحضارة) بالآستانة، و(اللواء) و(المؤيد) بمصر سنة 1914م، وقد كانت هذه الجرائد والمجلات تدعو إلى نهضة العرب والمسلمين، وكانت رائجة في بلاد المغرب العربي والجزائر خاصة. يعترف الفرنسيون بأن هناك مجرى سريًا، ولكنه غزير ومتواصل، من الصحف والمجلات الشرقية التي أعانت المغاربة في مجهوداتهم الإصلاحية، وجعلتهم مرتبطين أبدًا بالرأي العام العربي.
ظهور الصحافة العربية الوطنية في الجزائر
ظهرت في الجزائر ’خلال تلك الفترة صحافة وطنية عربية، ساهمت مساهمة فعالة في بعث النهضة الفكرية والإصلاحية الحديثة. فقد عالجت في صفحاتها كثيرًا من الموضوعات الحساسة، منها: الدعوة إلى تعليم الأهالي، وفتح المدارس العربية لأبناء المسلمين، والتنديد بسياسة المستعمرين واليهود، ومقاومة الانحطاط الأخلاقي والبدع والخرافات. فهذا الأستاذ عمر راسم يجلجل بآرائه في غير مواربة ولا خوف، فيقول: "أجل، يجب أن نتعلم لكي نشعر بأننا ضعفاء. يجب أن نتعلم لكي نعرف كيف نرفع أصواتنا في وجه الظلم. يجب أن نتعلم لكي ندافع عن الحق، وتأبى نفوسنا الضيم، ولكي نطلب العدل والمساواة بين الناس في الحقوق الطبيعية، وفي النهاية لكي نموت أعزاء شرفاء ولا نعيش أذلاء جبناء". كما ظهر في هذا الميدان كتّاب شاركوا بمقالاتهم وتحليلاتهم في تشخيص الداء الذي ألمّ بالأمة، واقتراح الدواء الناجع لذلك، من هؤلاء الشيخ المولود بن الموهوب، والشيخ عبد الحليم بن سماية، والأستاذ عمر بن قدور وغيرهم.
تولي شارل جونار الولاية العامة في الجزائر
على الرغم من أن المسيو جونار فرنسي نصراني، إلا أن وصوله إلى منصب الحاكم العام في الجزائر، كان له أثر كبير على الحياة الفكرية في تلك الفترة. يُذكر أن هذا الأخير شجّع إحياء فن العمارة الإسلامية، وبعْث التراث المكتوب، والتقرّب من طبقة المثقفين التقليديين، وتشجيعهم على القيام بمهمتهم القديمة، كإقامة الدروس في المساجد ونحوها، كما اهتم بالتأليف ونشر الكتب العلمية وكتب التراث، مما كان له أثر هام على الحياة الثقافية في الجزائر.
أشرف جونار على فتح المدرسة الثعالبية سنة 1904م، بجوار مقام سيدي عبد الرحمن الثعالبي) في حي القصبة بالعاصمة الجزائرية، وندب اثنين من الشيوخ للتدريس ونشر العلم بها، كما أمر بنشر كتابين هامين، أحدهما كتاب: "تعريف الخلف برجال السلف"، الذي صنّفه الشيخ أبو القاسم الحفناوي وطبعه سنة 1907م، والكتاب الثاني: "البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان"، لابن مريم الشريف التلمساني، الذي تولى إعداده للنشـر الأستاذ محمد ابن أبي شنب، المدرِّس بالمدرسة الثعالبية الدولية، وطبع سنة 1908م برعاية المسيو (جونار). هذه باختصار أهم العوامل التي ساعدت على قيام تلك الحركة الفكرية الإصلاحية بالجزائر، في الفترة التي ظهر فيها الشيـخ عبد الحميد ابن باديس. وبهذا العرض المتواضع، تتضح لنا طبيعة الوسط الثقافي والفكري الذي تربى وترعرع فيه الشيخ ابن باديس، ويبقى أن نتعرف على شخصية الشيخ وأسرته ونشأته، ورحلاته، وشيوخه، ومكانته العلمية.
من أشعاره وخطبه :
شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ
شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ
وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ
أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ أَوْ رَامَ إدمَــاجًــا لَــهُ
رَامَ الـمُحَـال من الطَّـلَـبْ يَانَشءُ أَنْـتَ رَجَــاؤُنَــا
وَبِـكَ الصَّبـاحُ قَـدِ اقْـتَربْ خُـذْ لِلحَـيـاةِ سِلاَحَـهـا
وَخُـضِ الخْـطُـوبَ وَلاَ تَهبْ وَاْرفعْ مَـنـارَ الْـعَـدْلِ وَالإ حْـسـانِ
وَاصْـدُمْ مَـن غَصَبْ وَاقلَعْ جُـذورَ الخَـــائـنينَ
فَـمـنْـهُـم كُلُّ الْـعَـطَـبْ وَأَذِقْ نفُوسَ الظَّــالـمِـينَ
سُـمًّـا يُـمْـزَج بالـرَّهَـبْ وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ
فَرُبَّـمَـا حَـيّ الْـخَـشَـبْ {{قصيدة|مَنْ كَــان يَبْغـي وَدَّنَــا| فَعَلَى الْكَــرَامَــةِ وَالـرّحب {{قصيدة|ومن كـان يبـغي ذلــناا فـلـه الـمـهانـة والـحـرب
هذا نِـظـامُ حَـيَـاتِـنَـا
بالـنُّـورِ خُــطَّ وَبِاللَّـهَـبْ حتَّى يَعودَ لـقَــومــنَـا
من مَجِــدِهم مَــا قَدْ ذَهَبْ هَــذا لكُمْ عَـهْــدِي بِـهِ
حَتَّى أوَسَّــدَ في الـتُّـرَبْ فَــإذَا هَلَكْتُ فَصَيْـحـتـي
تَحيـَا الجَـزائـرُ وَ الْـعـرَبْ
إشهدي يا سما "
اشِهِدي يَا سَمَا
وَاكْتُبَنْ ياوُجودْ إنَّنَا للِحـمَـا
سَنَكُونُ الجُـنُودْ فنَزيحْ البَـلاَ
وَنَـفُـكُّ الْقُيُودْ ونَنيلُ الرِّضـا
مِنْ وَفَّى بِالعْهُودِ ونُـذيقُ الـرَّدَى
كُـلَّ عـاتٍ كَنُودْ وَيَـرَى جـِيلُنَا
خَافقَا تِالبُنودْ ويَـرَى نجْمُنَـا
لِلْعُـلاَ في صُعـودْ هَكَـذَا هَـكَـذَا
هَـكَذاسَنَعُـودْ فاشْهَدي يَا سَمَا
واكتُبْن يا وُجودْ
تحية المولد الكريم :
حييت يا جـمعَ الأدب
ورقيت ساميةَ الرتبْ وَوُقِيتَ شرَّ الكائدي
ن ذوى الدسائس والشغبْ ومُنِحْـت في العلياء ما
تسمو إليه من أربْ أحييت مولد من به
حييَ الأنام على الحِـقَبْ أحييت مولوده بما
يُبرى النفوسَ مـن الوصبْ بالعلم والآداب والـ
أخلاق في نشءٍ عجبْ نشءٌ على الإسلام أسْـ
سُّ بنائه السامي انتصبْ نشءٌ بحُـبِ محمدٍ
غـذَّاه أشياخٌ نجبُ فيهِ اقتدَى في سيره
وإليه بالحق انتسبْ وعلى القلوب الخافقا
تِ إليه رأيته نصبْ بالروحِ يَفديهَا وما
يُغرى النّفوسَ مـن النشبْ وبخُلقـه يَحمِي حما
ها أو ببارقة القُضُـبْ حتى يعودَ لقومه
من عِزّهم ما قد ذهبْ ويرى الجزائرَ رجعت
حقَّ الحياة المستلَبْ يا نشءُ يا دخرَ الجـزا
ئر في الشدائد والكُرَبْ صدحت بلابِلُك الفصا
حُ فعمَّ مَجمعَنا الطربْ وادقْتَنَا طُعما من الـ
فصحى ألذَّ من الضرَبْ وأريت للأبصار ما
قد قرَّرتْه لك الكتُبْ شَعْـبُ الجزائرِ مُـسْلِمٌ
وَإلىَ العُروبةِ يَنتَسِبْ مَنْ قَالَ حَادَ عَنْ أصْلِهِ
أَوْ قَالَ مَـاتَ فَقَدْ كَذبْ أَوْ رَامَ إدمَاجًا لَهُ
رَامَ المُحَال من الطَّلَبْ يَانَشءُ أَنْـتَ رَجَاؤُنَا
وَبِـكَ الصَّباحُ قَدِ اقْتَربْ خُـذْ لِلحَياةِ سِلاَحَها
وَخُـضِ الخْطُوبَ وَلاَ تَهبْ وَاْرفعْ مَنارَ الْعَدْلِ وَالإ
حْسانِ وَاصْـدُمْ مَن غَصَبْ وَأَذِقْ نفُوسَ الظَّالمِينَ
سُـمًّا يُـمْزَج بالرَّهَـبْ وَاقلَعْ جُذورَ الخَائنينَ
فَمنْهُـم كُلُّ الْـعَطَـبْ وَاهْـزُزْ نفوسَ الجَامِدينَ
فَرُبَّمَا حَـيّ الْـخَـشَـبْ يا قومٌ هذا نشؤكم
وإلى المعالي قد رثبْ كونوا له يكن لكم
وإلى الأمام أبناء وأبْ نحن الأولى عرف الزمانُ
قديمنا الجمَّ الحسبْ وقـد انتبهنا للحيا
ة آخـذين لها الأهـبْ لنحلَّ مركزنا الذي
بين الأنام لنا وجبْ فتزيد في هذا الورى
عضـوًا شريفًا منتخَبْ ندعو إلى الحسنى ونولي
أهلها منا الرغبْ مَنْ كَان يَبْغي وَدَّنَا
فَعَلَى الْكَرَامَةِ وَالرّحبْ أوْ كَانَ يَبْغي ذُلَّنـَا
فَلَهُ المـَهَـانَةُ والحَرَبْ هَـذَا نِـظامُ حَيَاتِنَا
بالنُّورِ خُـطَّ وَبِاللَّهَبْ هَـذا لكُمْ عَـهْـدِي بِـهِ
حَتَّى أوَسَّـدَ في التُّرَبْ فَإذَا هَلَكْتُ فَصَيْـحتي
تَحيـَا الجَزائرُ وَالْعرَبْ
هذا ما كان من حياة العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس
و إلى لقاء آخر من تراث بلادي






رد مع اقتباس