مراهقون مستاؤون من غياب الدعم الأسري لمواهبهم
الموهبة تهددها المخاوف وتدفنها الضغوط الاجتماعية
جدة: إيمان الخطاف
«مجرد سخافات، أنت لا تعرف مصلحتك، دائماً تحرجنا بأفعالك».. مجموعة من الرسائل السلبية التي تقلل من عزيمة المتلقي وتشعره بالإحباط وفتور الهمة، فكيف إن كان هذا المتلقي مراهقا لديه قدرات خاصة وموهبة امتاز بها عن باقي أقرانه، بالتأكيد يكون وقعها أشد إيلاماً وقسوة.
حين تجوب إحدى طرقات المدينة سيشدك منظر التجمعات الشبابية على مداخل الحارة لفتية لم يتجاوزا الثامنة عشر من عمرهم يلعبون كرة القدم ببراعة بعيداً عن صخب المارة، لكن لا تعجب إن اكتشفت أن البعض منهم يخفي عن أهله حقيقة وجوده في هذه الملاعب الرملية مخافة أن يـُلام على ما اقترفه من ذنب بحق الوقت والجهد المبذول في ممارسة هوايته والرفع من مستوى موهبته، حيث لا تزال النظرة القاسية للموهبة الرياضية باقية داخل الكثير من البيوت السعودية.
فهد (14 سنة) فاز بالحزام الأصفر للكاراتيه، اللعبة الموهوب بها على مستوى مدرسته، وكان ينوي شغل إجازته الصيفية بالتدرب على المزيد من فنون هذه اللعبة العالمية عن طريق التسجيل في أحد النوادي الرياضية المهتمة بالكاراتيه، حتى تفاجأ بفشل خطته ليقول بخيبة أمل «أهلي يرون أن من الأفضل لي التسجيل في مركز لتعلم اللغة الانجليزية بدلاً من تضييع وقتي ـ حسب قولهم ـ بما لا يفيد، رغم أني في مستوى متقدم باللغة الانجليزية».
والحقيقة أن الكثير من الآباء والأمهات ما زالوا ينظرون لمواهب المراهقين بانتقاص مبني على الخوف من انغماس أبنائهم في عالم الموهبة التي اختاروها ليكون ذلك على حساب الدراسة أو شغلهم عما يفيد، كما بررت أم فهد قائلة «أرى ولدي في هذه المرحلة من عمره يتمتع بقدرة ذهنية كبيرة عليه استغلالها جيداً بما يفيده، أما الكاراتيه فهي رياضة جميلة لكني لا أتصور أن تتحول لهاجس لدى أبني أو أن يصبح يوماً ما لاعبا بدلاً من أن يكون مهندسا أو طبيبا!».
ليست المواهب الرياضية وحدها المظلومة، فحتى الموهوبون بالكتابة والتأليف أو الرسم أو الإنشاد أو صناعة الحلويات وابتكار أكلات جديدة وغيرها، تـُمارس عليهم ذات الضغوط مع اختلاف الطرق والأسباب.
ليلى (15 سنة) تمتلك مكتبة خاصة تضم مجموعة كبيرة من القصص القصيرة وروايات عبير ذائعة الصيت إضافة لأعداد منوعة من بعض المجلات الأسرية، تتحدث عن نفسها قائلة «أستمتع كثيراً بقراءة القصص مُذ كنت في العاشرة من عمري» قد لا تكون ليلى طالبة متفوقة في دراستها لكن قراءاتها الكثيرة بهذا السن أثرت لغتها وأكسبتها القدرة على الانطلاق بالنقاش، لتكمل قائلة «أنا أحب مادة التعبير وموهوبة في الكتابة رغم الأخطاء الإملائية الفادحة التي أرتكبها إلا أني أحلم بأن أكون قاصة كبيرة بالمستقبل»، ولا تخفي ليلى انزعاجها من غياب الدعم المعنوي وانشغال والديها عن عالم هواياتها وأحلامها.
أما دانة (17 سنة) فتقول «قبل سنتين سافرت مع أهلي إلى تركيا وقمت بالتقاط العديد من الصور التي أعجبوا كثيراً بها لاكتشف أني موهوبة في التصوير، فبدأت أهتم أكثر بفن التصوير الضوئي وأنا الآن أدخر جزءا من مصروفي لأشتري كاميرا عالية المستوى رغم أن سعرها مرتفع جداً». أم دانة المعلمة عائشة الحربي تتحدث عن ابنتها قائلة «دانة فعلاً موهوبة في التصوير وهي الآن تلتقط مجموعة جميلة من الصور لأطفال العائلة وبشكل احترافي مشابه لما تقوم به استوديوهات التصوير، وأنا ووالدها نشجعها ونتمنى أن تطور نفسها أكثر بما لا يؤثر في دراستها».
وتبين معظم الدراسات العلمية أن للوالدين دورا مؤثرا في تنمية مواهب أبنائهم عن طريق منحهم الحد المطلوب من الدعم والرعاية، وإن كانت هناك مراكز مخصصة لرعاية المواهب وتنميتها كمؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله لرعاية الموهوبين إلا أنها تبقى غير كافية، فمن الصعب أن تتمكن من حصر جميع الموهوبين نظراً لأعدادهم الكبيرة في شتى المجالات.
وفي اتصال هاتفي مع الدكتور محمد الحامد، استشاري الطب النفسي، تحدث قائلاً «المراهق الموهوب إنسان متميز ودائماً المتميز يتمنى أن يحظى بالرعاية الأسرية والاجتماعية العالية والتي عندما تتوافر له تكون داعماً لشخصيته وقدراته، وسيكولوجية الموهوب تفيد بكونه شخصا طموحا يود أن يحظى باهتمام الجهات الرسمية والأسرة».
وعن خطورة الضغوط التي يعانيها المراهق الموهوب يقول «الإخفاق أو التقليل من الرعاية والاهتمام تأثيره السلبي كبير على الموهوب مقارنة بالشخص العادي، لأن الموهوب يعلم أن لديه قدرات يمكن أن يصل بها إلى مستوى متقدم، ناهيك عن كون شخصيته حساسة أكثر من الآخرين وبالتالي شعوره بالإحباط من الممكن أن يؤدي به إلى درجة حادة من الاكتئاب، فإما القبول بالواقع غير المتوافق مع إمكاناته وتطلعاته أو التخلي عن أنشطته الإبداعية وهنا تكون الخسارة فادحة للموهوب وللمجتمع بأكمله».
وأضاف، من المؤسف ما كشفته العديد من الأبحاث الجنائية في أن الكثير من الجانحين كانوا من المراهقين الموهوبين ذوي القدرات العالية في أكثر من جانب لكنهم لم يجدوا البيئة التي تحويهم بالشكل المناسب فنبذوا المجتمع وتمردوا عليه.



رد مع اقتباس