تهميش الشهادات العليا هدر وطني (2-2)
استثمار عقول المبتعثين
ابتهاج منياوي (جدة)
استعرضنا في الحلقة السابقه من هذه القضية الهامة تجربة الابتعاث التي حدثت قبل نحو ثلاثة عقود عندما بعثت المملكة بحوالي 200 الف مبتعث في مختلف التخصصات بأشهر الجامعات العالمية وتكرار التجربة في السنوات القادمة ما نتج عنه سابقاً بطالة بعض حملة شهادات الماجستير والدكتوراه بشغلهم وظائف بعيدة كل البعد عن تخصصاتهم ومحاولة «تطفيشهم» وابعادهم في الحرب التي يشنها عليهم مديرون هم اقل منهم درجة علمية وبذلك لم يستفد الوطن من هؤلاء الاستفادة المرجوة ..
في الحلقة الثانيه والاخيرة من هذه القضية يسلط الاستاذ عبدالله بن محمد الناصر رئيس الملحقية الثقافية السعودية في بريطانيا الضوء على تجربة الابتعاث وعلاقتها بالتنمية، حيث يؤكد ان تلك المرحلة ركزت على تنويع مصادر المعرفة والاخذ بأسبابها واستلهامها من مصادرها المختلفة والمتنوعة .. وهذا ما يجعل هذه التجربة العلمية الفريدة - تجربة الابتعاث - اكثر ثراء ونفعا.
فلا شك انه من حسن الطالع ان افادت المملكة من تجربة الدول المتقدمة، والمتميزة علميا وصناعيا وحضاريا .. حيث اخذت من كل تجربة بطرف، وهذا في النهاية ما يشكل قاعدة علمية صلبة تمتزج فيها كل التجارب العلمية المتنوعة المتميزة. لتشكل بوتقة واحدة تنصهر فيها هذه المعارف كلها.
استثمار العقول
وعن الدراسة في الجامعات البريطانية، وبخاصة الدراسات العليا يرى الناصر انها تعتمد في مجملها على البحث العلمي وهذا ما يعطي المتخرج فرصة الاستمرار في مواصلة بحوثه وعطائه بعد التخرج ليشكل هو وزملاؤه الخريجون من جهات اخرى فريقا اكاديميا يواكب حركة التطور بالعطاء والبحث والانتاج، وهو ما ركزت عليه سياسة الدولة السعودية واهداف تنميتها الشاملة تركيزا واضحا ومتميزا حيث تعتمد الامم التي تتطلع الى النهوض والارتقاء في عصرنا اليوم على استثمار العقول. فاستثمار العقل استثمارا حقيقيا هو انجح مشروع للربح في صفقات النهوض والارتقاء.
فبالعقول ترتقي الامم وتدخل مرحلة المنافسة والتسابق في عصر يتسم بالصراع على كل الاصعدة مؤكداً ان المناجم الحقيقية، والتي لا تنضب و لا تفنى هي مناجم العقول وان استثمار هذه المناجم واستغلال هذه العقول هو المصدر الحقيقي والفاعل لتحقيق التنمية المتكاملة. فليس بالنفط وحده تنهض الأمم .. ولا بالمال وحده ترقى الشعوب وتصعد سلم الحضارة والتفوق .. وانما بالعلم والمعرفة يكون النهوض وتتحقق التنمية والطموح.
وعن تجربة الابتعاث في بريطانيا واختلاف المنهج البريطاني عن بعض الدول الغربية الاخرى، يوضح الناصر انه بالنظر للمدرسة التعليمية البريطانية -وخاصة فيما يتعلق بالدراسات العليا - فتركز كثيرا على طريقة برامج البحث العلمي، وهي طريقة يتولى اعباءها الباحث السعودي نفسه من اعداد تصور لخطة البحث، ثم جمع المادة العلمية ثم الغوص في اعماق البحث من خلال التحليل والتعديل والتجريب الى ان يصل عن طريقة مسيرته البحثية الى الحقيقة العلمية التي يبحث عنها في تخصصه. وكثير من الطلاب السعوديين لم يكتفوا ببحث الافكار العلمية حول الموضوع وعرضها في كتاب متكامل هو الرسالة، بل ان الكثيرين منهم توصلوا الى نتائج واكتشافات متميزة، ونظريات جديدة جعلتهم في مصاف العلماء .. وكثيرون منهم يشاركون في مؤتمرات علمية ويكون لبحوثهم تأثير بالغ ونافع في تلك المؤتمرات العلمية التي شاركوا فيها وتسجل بحوثهم ضمن فعاليات تلك المؤتمرات.
ومن المؤكد ان البعض سمع ببعض اسماء الباحثين والباحثات الذين حققوا نتائج علمية متميزة وتوصلوا الى نظريات متفوقة سجلت بأسمائهم، مؤكداً ان ميزة هذا النوع من الدراسة التخصصية هي المساهمة الفاعلة في تأصيل البحث العلمي، والذي هو عامل مهم جدا في مسيرة التنمية بل في تكامل صورة هذه المسيرة. فنحن بالقدرالذي نحتاج فيه الى العلماء والاساتذة في الجامعات، والاطباء في المستشفيات، والمهندسين في قطاعات العمارة والزراعة .. الى جانب ذلك نحن محتاجون الى رجال يواصلون بحوثهم العلمية وملاحقة التطورات من خلال جهودهم البحثية داخل معاملهم، او من خلال المستجدات العلمية الكونية التي تحتاج الى مواصلة البحث والكتابة .. وكل هذا يصب في النهاية في قنوات الخطة الكبرى او الملحمة الكبرى وهي ملحمة التنمية في كل القطاعات بكل فروعها، وهنا يوضح الناصر ان هذا لا يعني ان الدراسات الاخرى في الاماكن الاخرى لا تعتني بهذا الجانب، وانما النهج البريطاني يكثف هذا الجانب - ولا يتفرد به - وهو جانب يساعد على التنوع العلمي والتقني المتعدد المصادر والمختلف المناهج من تجارب الدول الاخرى، حيث يشكل كله في النهاية ذلك الائتلاف المتكامل لمسار التنمية التي اخذت صفة النضج والكثافة والدراسة المتأنية والدقيقة والتي ايضاً تستشرف المستقبل، حيث عمدت الى صنع الطاقات العلمية والخبرات الوطنية المتميزة الى جانب الطاقة المادية وهذا هو ما يجعل التنمية متسقة ومتناسقة في مسارها وفي جهودها بحيث لا يطغى جانب على آخر، وانما هي حركة دؤوبة، حركة متماثلة ومتناغمة ويخلص الناصر الى ان هذه التجربة لها خصوصيتها فهي لا تخرج عن الاطار العلمي المتعارف عليه كتجربة مثيرة ومثرية، واكثر ما في اثارتها هو التحدي بين الباحث وبحثه، وبين الباحث ونفسه، فعلى الباحث ان يبحث ويجمع ويتعلم ويخطئ ويصيب ويكتب ويحذف ويتابع ما يستجد حول بحثه من تطورات جديدة ومبتكرات علمية مستحدثة .. ومتى تلبست الطالب روح البحث والمعرفة فإنه سوف يجد لذة لاكتشافاته ومتابعة هذه الاكتشافات ويروح في النهاية يستمتع بلذة التحديَّ والمغامرة .. اما اذا انحرف الأمر فكثيرا ما يتعثر وتضعف مقدرته امام التحدي.
وما يقال عن البحوث العلمية والانسانية المتنوعة ينطبق ايضا على العلوم الطبية. في هذه الفترة كثفت الدراسات الطبية وبالذات الزمالة المتأخرة وازدادت اعداد المبتعثين في هذا الجانب الى جانب الدراسات في العلوم الطبية العليا للماجستير والدكتوراه بكل تخصصاتها، واخذت هذه الدراسات شكلا متناميا ومتصاعدا.



رد مع اقتباس