ولقد اخذت المرأة، وهي التي تشكل عنصرا مهما من عناصر التنمية، نصيبا جيدا في هذه المرحلة من الاهتمام و التركيز .. فازداد عدد المبتعثات في التخصصات المختلفة.
ويشير الناصر الى ان من ملامح تجربة الابتعاث السعودي في بريطانيا هي تلك الروح العلمية لدى الكثير من المبتعثين. هذه الروح او هذا النهج الجيد المتمثل فيما اطلق عليه الروابط العلمية، وهذه الروابط موزعة حسب التخصصات .. فكل فئة تشكل رابطة علمية، وهذه الروابط التخصصية يشارك فيها المبتعثون، واساتذهم والمتخصصون معهم في الجامعة بل قد يصل الأمر الى مشاركة طلاب انجليز وغربيين في هذه الروابط وذلك لتقريب الاواصر العلمية بين الاعضاء وتسليط الضوء على التطورات والمستجدات في هذا التخصص .. ومن اهم مميزات الابتعاث التي يشير اليها الناصر مسألة ترشيد الابتعاث. والترشيد هنا ليس بمفهوم التقليل، وانما بمفهوم تقنية الابتعاث .. اي ان الابتعاث يكون وفق الحاجة وفق متطلبات التنمية وخططها وما تتطلبه هذه الخطط من تخصصات تغطي احتياجاتها المهمة والفعلية والحساسة في بناء الوطن .. و بناء على ذلك فقد اصبح التركيز على التخصصات العلمية النادرة ميزة من مميزات هذه المرحلة، وهذا ما نتج عنه وجود اعداد كبيرة من علماء مختلفي التخصصات تحصلوا على شهادة من جامعات غربية مرموقة ...
وهكذا يتبين ثراء المرحلة علميا وفعاليتها، وانسجامها مع مسيرة التنمية ... حيث اخذت شكل التكامل والتلاحم في ملحمة تنموية رائدة، سجلت فيها وثبات حضارية متنوعة متفوقة على كل الاصعدة، حيث يمكن ان يشار اليها على انها مرحلة النضج، والاستقرار، والتوازن والبناء المنهجي القائم على استراتيجية الرؤية الواضحة لتشييد وطن يتسم بالنمو السريع المنضبط في جميع مناحي تنمية وتطوره ليصعد به في سلم الأمم الراقية التي تنشد الطموح والتفوق في ثقة وعزيمة وتفاؤل .... وبالرغم لما اشار له واكد عليه رئيس الملحقية الثقافية السعودية في بريطانيا على اهمية البحث العلمي الذي يقضي فيه المبتعث سنوات طويلة لاخراجه بشكل متميز يضيف اضافة للعلم والتخصص الا ان اغلب هذه البحوث لا تحظى بأي اهتمام ولا يستفاد منها بعد عودة بعض المبتعثين لارض الوطن بل تظل في الخارج وتستفيد منها الجامعة والكلية التي كان يدرس فيها الطالب السعودي على حد تعبير بعض المبتعثين والمتخصصين الذين لم يلقوا اي اهتمام بعد العودة؟!
النخب العلمية
وتؤكد ليلى صالح زعزوع كاتبة واستاذ مشارك بقسم الجغرافيا جامعة الملك عبدالعزيز ان للنخب العلمية دوراً كبيراً في المجتمع وهم احد العناصر الرئيسية في تطوره، فنحن نعيش في دولة قيادية في عالمنا العربي حيث الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي على وجه الخصوص، ومن المؤكد ان يلعبوا دوراً هاماً في التطورات المستقبليةللمجتمع ولكن برأيها ان تأثير النخب العلمية يعتمد على المجتمع العلمي الذي يكدس لهم اعمالاً، لا يجد معها وقتاً للتفاعل ا لاجتماعي في مجتمع يعيشون و يعملون فيه واهم من ذلك عندما يكون المجتمع المدني ضعيفاً فيجد المثقفون بصفة عامة صعوبة في التعامل لايجاد مناخ اجتماعي واقتصادي سياسي.
وتضيف هناك تأثير ولكنه محدود في نطاق رسمي يحكمه المنصب والتعيين فيه لان للمنصب كلمته اما الفرد الفاعل المستقل فهو مهمش وبخاصة في صنع التحولات في المجتمع وفي اتخاذ القرار.
وعن اصحاب التخصصات النادرة او غيرها الذين يعملون في غير تخصصاتهم، فتؤكد ان ما يحمل البعض على القبول بذلك هو ان اكل العيش يتطلب البحث عن رزق حتى لو كان رئيسه حامل الثانوية.
ويرى د. طلال عبدالملك رادين استاذ مشارك بكلية الهندسة جامعة الملك عبدالعزيز اي دراسات وابحاث علمية تتطلب شريحة وعقولاً خاصة تجمع بين القدرة البحثية والافق الرحب لرؤى وتطلعات تحمل ملامح التطوير والنماء، واي مجتمعات في اي وطن لا يمكن لها انه تعيش دون عطاء هذه الشريحة من العلماء والمفكرين اصحاب التخصصات المؤثرة والفائقة متسائلاً كيف يمكن مواكبة التطوير والتزايد السكاني واحتياجات الحضارة الحديثة ومسايرة الاقتصاد العالمي والتقلبات في السياسة الدولية دون تخطيط وتنظيم وفكر متطور لهذه الامور ومن هم الاقدر على صياغتها سوى هذه النخبة من اصحاب المؤهلات العالية العالمية؟ وكل المؤشرات والدلالات توثق هذه الامور وخاصة في المملكة من خلال الاستعانة بأصحاب هذه التخصصات في لقاءات الحوار الوطني والمنتديات الاقتصادية والسياسية وخطط التنمية والتطورات العلمية والمشاركة في تنمية الفكر الثقافي هنا وهناك.
ويشير د. رادين ان هذه الشريحة ساهمت ولازالت ضمن قدرات اجتماعية اخرى في معالجة ادوار كثيرة انسانية واجتماعية توعوية ومواجهتها بدراسات متأنية ومدروسة بعمق وفكر كالايدز والزلازل والارهاب والمخدرات كواقع لا يمكن انكاره وهي امور تطلبت طروحات ومعالجات علمية مقننة ومشاركة من ذوي القدرات والخبرات والخلفيات العلمية وفي تخصصات انسانية نادرة.
التخصصات النادرة الاستثمار الحقيقي
للنخب العلمية دور رئيس في إحداث التنمية المستدانة والحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي: بشرط ان تعطى النخب السعودية الفرصة والاستحقاق من مبدأ: «أعط القوس باريها» هذا ما يراه ويشير له الدكتور محمد بن صنيتان رئيس مركز ساس الوطني لاستطلاع الرأي.
مؤكدا ان النخب السعودية العلمية وبقية النخب في المجتمع هي الخيار والاستثمار الحقيقي لمعالجة قضايا المجتمع وشئون الشباب وهي المعول عليها بعد الله في معالجة قضايا الفقر والبطالة وتوطين الوظائف وزيادة الناتج القومي والعنوسة وغيرها من مستجدات الحياة. والنخب العلمية هي مخزن الفكر للأمة.
وقد يكون لاصحاب التخصصات النادرة دور وطني كبير ومهم بالمساهمة مع مؤسسات المجتمع الاخرى والأطر والكوادر المتخصصة في التربية.
ويضيف انه مطلوب من النخب الثقافية تأطير وتثقيف الشباب والناشئة على الاهتمام الوطنية وعلى حب الوطن وتجذير الوطنية في نفوسهم ومشاعرهم وكأنها جزء من كيانهم.
وذلك لتوجية مسارات المجتمع السعودي نحو تحقيق اهدافه الاقتصادية والرفاهية والأمنية وثبات الهوية. لكي يواكب التحولات العالمية ويلتحق في المنظومة العالمية دون ذوبان هويته وثوابته العروبية والإسلامية.
وفي الماضي والحاضر فأنني لا أرى في هذه النخب الاستجابة لمهمة التربية والتثقيف وتحويل المسارات الاجتماعية نحو الخيار الافضل. ما لم تبادر الى دورها الطبيعي والمطلوب منها. ولابد ان ندرك ان الشهادة لاتعني الجواز الاخضر للمرور الى كرسي المدير أو الى حقيبة الوزارة.
وليس كل حامل مؤهل عال يملك معرفة عالية. وهناك معادلة جدلية بين الخبرة والمؤهل. إنما الملاحظ أن أصحاب التخصصات لايمارسون تخصصاتهم في كثير من الاحوال وفي هذا هدر للقدرات التخصصية التي يحتاج لها الوطن. مما يؤثر على نهضة وتنمية الوطن.
ويؤكد د. محمد بن صنيتان أن حملة الشهادات العليا يصبحون رسلا لوطنهم في سلوكهم المنبثق من تعاليم الدين الحنيف وعليهم قبول الآخر قبولا ولايعني التماهي أو الذوبان فيه.
وبالتالي فحملة المؤهلات العليا هم الخيار الوحيد للمجتمع السعودي للإسهام في حوار الحضارات ولديهم رصيد معرفي وديني وسط يمكنهم من ذلك. وهذا يعتمد على المبتعث نفسه فإذا انخرط في جامعة حسنة الصيت في إعداد خريجيها واختيار التخصص الذي يخدم به وطنه وقام بترجمته ونشره. والأداء الجيد في عمله فلاشك انه سيغير مفهوم المجتمع عنه.
ويشير د. طلال عبدالملك رادين انه لابد قبل أن نلقى الملامة على قطاعات العمل والجهات الحكومية لعدم ملاءمة أصحاب الوظائف لتخصصاتهم وخلفياتهم العلمية لابدمن الوقوف وقفه جادة مع المعطيات والخطط الخمسية للدولة ومراجعتها فلن يكون من الصعوبة تلمس الاخطاء وتحديد القصور التي تتركز في عدم توفر أي خطط دراسية لدراسة احتياجات السوق على مدى العشرين سنة الماضية وأيضا افتقار الجامعات لخطط استراتيجية عن التخصصات وحاجة الاقتصاد الوطني فلابد ان لانغفل أن فترة الطفرة لم توضع فيها دراسات استراتيجية مقننة بل طغت فيها الرؤى المستقبلية والاحتياجات وايضا لم تشمل خطط التنمية على كافة المستويات احتياجات محددة لتخصصات معينة وبالتالي تحمل الدولة العبء الأكبر من الابتعاث المقنن وغير المقنن هذه المعطيات وأخرى اوجدت حالة غير متوازنة في سوق العمل الحالي وعدم تناسب كثير من التخصصات مع الوظائف التي يشغلها اصحابها.. وأنا شخصيا ارى ان الحلول صعبة لاحداث التوازن المطلوب إلا بالتضحية بعشر سنوات أخرى تتبنى فيها استراتيجيات ودراسات مقننة وتتكاتف كافة القطاعات معها لخلق التوازن الاستراتيجي المطلوب للاجيال القادمة دون ذلك فسنظل محلك سر!
فأي مجتمع في أي وطن لايمكن له ان يعيش دون عطاء هذه الشريحة من العلماء والمفكرين اصحاب التخصصات النادرة والمؤثرة والفاعلة فكيف يمكن مواكبة التطور والتزايد السكاني واحتياجات الحضارة الحديثة ومسايرة الاقتصاد العالمي والمتطلبات في السياسة الدولية دون تخطيط وتنظيم وفكر متطور لهذه الامور وبالتالي فهذه الفئة الاقدر على صياغة هذه الامور باعتبارهم نخب من اصحاب المؤهلات العالمية والعالية وكل المؤشرات والدلالات توثق هذا الأمر وخاصة في المملكة من خلال الاستعانة باصحاب هذه التخصصات في لقاءات الحوار الوطني والمنتديات الاقتصادية والسياسية وخطط التنمية والتطورات العلمية والمشاركة في تنمية الفكر الثقافي من هنا وهناك.
وفي نظري أن هذه الفئة من ذوي الاختصاصات قد ساهمت ولازالت ضمن قدرات اجتماعية اخرى في معالجة أمور كثيرة انسانية وتوعوية وبالتالي فالاستفادة منهم مطلب استراتيجي الا ان الحاجة لاستيعاب الشباب السعودي طغت على الحاجة لتخصصاتهم وخلفياتهم العلمية وعدم وجود فرص لهم يكشف حقيقة سوء التخطيط أو عدم قدرة بعض القطاعات على تحديد احتياجاتها بطرقة علمية مدروسة ومقننة ونحن مطالبون بالتخلي عن الافق الضيق وفتح المجال لهذه القدرات لصناعة الرفاهية والاقتصاد الصلب للاجيال القادمة أما التهميش وعدم استغلال هذه القدرات هو قتل لها ودفنها وإبقاء خطط التنمية في عنق الزجاجة دون بصيص أمل في قرب المرور منها إلا بالجرأة في القطاعين الخاص والعام حماية لمجتمعنا وأسرنا ووطنا في كافة المجالات والقطاعات.



رد مع اقتباس