سابعا ـ المستنشقات : وهي من المواد المخدرة التي شاع استعمالها في البلاد العربية ، حيث يستنشق المدمن بعض المذيبات الطيارة مثل : البنزين ومخفف الطلاء ومزيل طلاء الأظافر وسائل وقود الولاعات ولاصق الإطارات والغراء والكلة وعوادم شكمانات السيارات 0 يمكننا القول بعد هذا العرض لأنواع مختلفة من المخدرات الطبيعية والمخلقة أنها كلها تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي إصابة الإنسان بخلل خطير فسيولوجياً ونفسياً لا يمكن تداركه إلا إذا أقلع الإنسان عنها 0
• المخدرات والانتحار Drugs and Suicide :
الموت يعتبر جانبا من الجوانب المظلمة للمخدرات فلا يشك عاقل أن من يورط نفسه مع الوهم المتمثل في المخدرات أنه يضع قدمه في القبر الذي حفره لنفسه بجلسة التعاطي الأولى. تتعدد أسباب الموت وتتنوع في عالم الإدمان: جرعات زائدة , قتل , إيدز, التهاب كبدي, حوادث السيارات وكذلك الانتحار. والانتحار هو واحد من أسباب الوفاة الشائعة بين مدمني المخدرات وتتنوع دوافعه وأساليبه بشكل أكبر مما هو عليه في الأمراض النفسية والاضطرابات العقلية. فبالإضافة إلى أن المخدرات مرتبطة بشكل كبير (سببا ونتيجة) مع هذه الأمراض فهناك الكثير من الاختلافات والخصوصية للانتحار المرتبط مع المخدرات فهي تلعب دورا مباشر وآخر غير مباشر في هذه المسألة. تختلط أسباب الانتحار في أوساط المدمنين مع الأسباب الأخرى وتتداخل فيما بينها. فالكثير من المدمنين ينتحرون بشكل غير مباشر بعدة أساليب ومنها أسلوب الحياة الخطر في التعامل مع المجرمين والمروجين والمهربين, التعامل مع مواد ملوثة بالجراثيم القاتلة كفيروس الإيدز والالتهاب الكبدي وحوادث السيارات والجرعات الزائدة من المواد المخدرة نفسها. تبلغ نسبة حالات الانتحار بين المدمنين حوالي 15% منهم. وفي دراسات أخرى حديثة يتضح أن النسبة أكبر بكثير مما ذكر في دراسات أخرى قديمة . فالخمر لوحده يسبب ما بين 25 إلى 45% من حالات الانتحار عموما كما أن نسبة المنتحرين بين مدمني الخمر تبلغ أيضا 15% 0 المخدرات تزيد نسبة حالات الانتحار لأكثر من 10 أضعاف مما هي عليه الإحصائيات العامة للانتحار. وهذه الأرقام تختص فقط بحالات الإدمان التي تعالج في العيادات الخارجية لمصحات الإدمان. التفكير في الانتحار بين المدمنين قد يكون اندفاعيا أي دون تخطيط أو تفكير مزمن متصاعد. المخدرات تنقل المدمن من مرحلة التفكير إلى التخطيط ثم التنفيذ لخطة الانتحار وهذا يتجلى أكثر في الحالات المرتبطة بالتدهور المزمن والمستمر في صحة المريض ووضعه الاجتماعي.
• عوامل الخطورة:
مما يصعب مهمة المعالجين في التحكم ومنع مشكلة الانتحار لدى المدمنين أن غالبيتهم وبالذات في صغار السن يخبرون فقط أصدقائهم عن نيتهم بقتل أنفسهم وليس لأفراد الأسرة أو الطبيب المعالج. وأحد أهم الصعوبات أيضا هو أن لا أحد يأخذ تهديدات المدمن بالانتحار على محمل الجد حتى تقدم له المساعدة اللازمة.
هناك عوامل تزيد من خطورة الانتحار في أوساط المدمنين ومنها:
1ـ التأثير المباشر للمخدر: أثناء التسمم بالمخدر(وهو ما ينشده المدمن), تزداد لديه الميول العدوانية التي قد يوجهها لنفسه وتقترن هذه العدوانية بعدم القدرة على الحكم على الأمور بشكل صحيح ومتزن. فالخمر والكوكايين يرتبطان كثيرا بحالات محاولة الانتحار الاندفاعية التي لا يسبقها تفكير أو تخطيط وتزداد الخطورة كلما زادت الكمية التي تعاطاها المدمن . ينكر الكثير من المدمنين عند علاجهم في أقسام الطوارئ من آثار محاولات الانتحار أي نية لقتل النفس كما أنهم ينفون عادة أنهم تناولوا المخدر بالرغم من النتائج المخبرية القاطعة. الجرعات العالية هي أسلوب يسمى)الانتحار الطارئ Accidental Suicide ) كون المدمن يعلم ما هي النتيجة الشبه حتمية لهذا العمل ولكنه يقدم عليه وبشكل متكرر بالرغم من العلامات التي تشير لقرب الوفاة أثناء التعاطي مثل ألم الصدر وضيق التنفس والدوخة وتشوش الرؤية. لوحظ أيضا أن العديد من ضحايا جرائم القتل يحملون في دمهم تركيزا عاليا من المواد المخدرة مما يشير إلى أن العدوانية التي تتجه للآخرين أثناء التسمم بالمخدر قد تنتج عنها هذه الجرائم وقد يلجأ بعض المدمنين لهذه الطريقة من الانتحار الغير مباشر عن طريق افتعال مشاكل مع أشخاص مجرمين. كجزء من السلوك العام للمدمن, يقوم بتصرفات يعلم أن احتمال الموت فيها كبيرا كالسلوك الداعر دون أي احتياطات, الاشتراك مع الآخرين في موادهم الملوثة....إلخ.
2ـ ترافق الإدمان مع الاكتئاب: الترافق بين المخدرات والإصابة بالاكتئاب يعتبر خلطة قاتلة بالنسبة للمدمن, حيث يتضاعف معدل حالات الانتحار عما هو عليه في المرضى كل على حده والتعافي من الادمان يقلل من خطورة الانتحار كثيرا. الاكتئاب يرافق إدمان الخمر بما نسبته 25% في الرجال و حوالي 50% من النساء, أما مع الكوكايين والهروين, فتبلغ النسبة حوالي 10 إلى 30 %. 0
3ـ ترافق الإدمان مع اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع: اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع منتشر بين مدمني المخدرات والبعض يعتبر أن سلوك التعاطي والإدمان من التصرفات العدوانية التي لا توجه نحو الذات فقط بل عدوانية موجهة للآخرين كالأسرة والمجتمع. من سمات هذه الشخصية هو السلوك الاندفاعي الذي يزيد بالتالي من خطورة الانتحار.
4ـ ضغوط نفسية أو ظروف حياتية طارئة: يترافق الإدمان مع طيف واسع من المشاكل الأسرية والاجتماعية والوظيفية والمادية...إلخ. فخسارة المدمن لوظيفته أو لأحد أفراد أسرته أو أصدقاءه أو أي مشكلة مادية أو اجتماعية طارئة قد تؤدي به إلى التفكير بالانتحار مباشرة دون اللجوء لمحاولة حل المشكلة أو التعامل معها أو مع نتائجها. تظهر الدراسات أن ما نسبته الثلث من المرضى المدمنين الذين انتحروا عانوا من مشاكل طارئة خلال الستة أشهر التي سبقت الانتحار.
رسم بياني يظهر الزيادة في معدل الانتحار مع المخدرات
5ـ العمر: تزداد النسبة كلما زاد عمر الشخص ولا يعرف هل هو عامل السن أم بسبب أن مرحلة الإدمان قد دخلت في مرحلة التدهور مع زيادة مدة المشكلة. حوالي 80 إلى 90% . في الأعمار ما بين 15 إلى 25 سنه, تبلغ نسبة من يتعاطون المخدرات والخمور من المنتحرين منهم حوالي الثلث.
6ـ الجنس: الرجال أكثر من النساء في حالات الانتحار المصاحبة للإدمان حيث تبلغ نسبتهم 80 إلى 90% من هذه الحالات.
7ـ تاريخ سابق لمحاولة الانتحار: وهو من عوامل الخطورة المهمة وتزداد أهميته كمؤشر إذا كان المدمن قد استخدم أسلوب الجرعة الزائدة من المخدر في محاولاته السابقة. كذلك الطرق العنيفة الأخرى مثل السلاح الناري أو القفز أمام سيارة مسرعة أو محاولة شنق نفسه تعتبر مؤشرا قويا أيضا.
• كيفية التعامل مع هذه المشكلة:
هناك الكثير مما يمكن عمله من جانب الأسرة والمحيطين بالمدمن. وهذا لا يعني منع المشكلة كلية بل للتخفيف من نسبة حدوثها:
1ـ علاج الإدمان : فالبقاء لفترة أطول من الزمن دون تعاطي المخدرات يقلل من نسبة حدوث الانتحار أو حتى مجرد التفكير فيه, لذا ينبغي للأسرة وللأشخاص المحيطين بالمدمن تشجيعه على الدخول في برنامج علاجي وعدم اليأس من ذلك وتكرار المحاولة كلما حصلت انتكاسة.
2ـ في حال طلب خدمة العلاج للمرة الأولى أو عند وجود أي من عوامل الخطورة للانتحار فينبغي إخطار الطبيب بذلك وعد الشعور بالخجل منها كوجود تاريخ أسري لمرض نفسي أو للانتحار مثلا.
3ـ توفير الدعم النفسي للمدمن حال تعرضه لمشكلة كبيرة طارئة في حياته مع بقاء إشعاره بأن الأسرة تكره الإدمان ولا تكرهه لشخصه.
4ـ عدم إهمال تهديده بالانتحار وأخذه على محمل الجد حتى لو تكرر ذلك منه وبالذات ما يقوله أثناء مروره بحالة من الاكتئاب أو عند حدوث مشكلة ما.
5ـ التهديد المكتوب أو حتى الوصية وبالذات إذا حاول المدمن إخفائها بداية, فهذا يجب أن يؤخذ كنذير خطر مؤكد ويجب التعامل معه كحالة طارئة.
6ـ إذا كان المدمن يتابع علاجه في المصحة أو يتبع برنامج علاجي, فينبغي للأسرة والأصدقاء الاهتمام(أو إظهار الاهتمام على الأقل) بتطور مراحل العلاج وحالة المدمن وسؤاله عما يشعر به وتشجيعه الدائم على الاستمرار في العلاج.
7ـ ظهور سلوك جديد ومفاجئ على المدمن من الاعتذار لأسرته عما سبب لهم من مشاكل وأنه يشعر بأنه مذنب كثيرا ويجب أن ينال عقابه أو أنه أصبح عبئا على الجميع وأنه إنسان فاشل يعتبر نذير خطر ومؤشر لمشكلة ما أو حالة اكتئاب لديه قد تجعله يفكر في الانتحار.
8ـ إذا لوحظ على المدمن زيادة كبيرة فيما يتعاطاه من المواد المخدرة, فهذا أيضا قد يكون مؤشرا قويا على أفكار انتحارية لديه وينبغي طلب المساعدة عاجلا.
9ـ انتحار شخص مقرب منه كصديق أو ممن يتعاطون المخدرات معه وبالذات لو سمع منه أن هذا المنتحر (محظوظ) وقام بعمل جيد فهذا قد يكون مؤشرا ينبغي التنبه له من قبل أسرته وأصدقاءه.
10ـ الملاحظة للسلوك الانتحاري يجب أن يشمل إبعاد المواد والأسلحة وكذلك مفاتيح سيارته أو أي شيء قد يشكل خطورة على حياته, فيجب إبعادها عنه في كل الأحوال وبالذات عند وجود مؤشر أو تهديد بالانتحار.
• ملاحظة هامة جدا:
حينما يسمع المدمنون عن شخص توفي نتيجة جرعة من الهيروين مثلا, يتهافت المدمنون على نفس المروج الذي اشترى منه المدمن المتوفى وهذه الظاهرة غير مفهومة تماما حتى لو فسرت فقط بأنهم ينشدون التأثير القوي لذلك النوع من الهيروين.
• رسالة إلى أسرة مدمن :
س: هل يجد بعض المتعافين من إدمان المخدرات والعائدين إلى أسرهم عقبات في طريق التعافي؟ 0
ج : نعم إن هذا لواقعٌ مريرٌ يواجهه البعض وليس هذا الكلام بمستغرب ولا ضرباً من الخيال ، فقد يعود ويجد أن الخلافات والضغوط الأسرية ما زالت قائمة والتي قد تكون لعبت دوراً كبيراً في تعاطيه وانتكاسته ، وأن هناك فجوة بالطبع قد حدثت بفعل الإدمان ، بينه وبين أفراد أسرته تبدو في شكل فقداناً للثقة ، ووصماً اجتماعياً غائراً ونبذاً مؤلماً ، وغير ذلك من العوامل الأسرية الأخرى التي أثبتت الدراسات الاجتماعية أنها تساهم بشكلٍ واسع ٍ في إفراز أفراد مدمنين للمجتمع بسبب هذه الأنماط السلبية من التعامل الأسري .
والتساؤل الذي نطرحه هنا في هذه الرسالة !
س : ما هو دور الأسرة نحو المتعافي عند خروجه من المصحة ؟
ج : الإجابة على هذا التساؤل تتلخص في النقاط التالية :-
1ـ استقباله بالبشاشة والسرور والاحترام والتقدير والفرح بمقدمه، لقوله تعالى ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ) (آل عمران ، الآية : 159) ولقول الحبيب صلى الله عليه وسلم ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه ) فذلك الأسلوب يجعله يشبع حاجة الحب والاحترام والتقدير والشعور بالذات فإن وجد العكس سيبحث عن هذه الحاجة في الخارج وبالتحديد لدى رفقاء التعاطي .
2ـ الاهتمام به وبما يعرض له من مشكلات ، وذلك بالجلوس معه واحتواءه ومناقشته في المشكلة ، وذلك بالإنصات إليه وبالإمكان أن تكون في جلسة فردية مع أحد أفراد الأسرة لاسيما إن كانت المشكلة بالغة الحساسية ، ولا يرغب في إطلاع الجميع عليها . أو أن تكون في جلسة جماعية تضم جميع أفراد الأسرة لمناقشة المشاكل وللعلم فإن المداومة على عقد مثل هذه الاجتماعات بصفة دورية أو أسبوعية أو شهرية ، لها من الفوائد الجمة التي تغني الأبناء بإذن الله من الجلوس مع قرناء السوء لطرح ما يعترضهم من مشكلات فيجدون كل آذان صاغية .
3ـ إخلاء البيت من جميع مثيرات الانتكاسة ، كالمواد المخدرة المتبقية وإتلافها ، وكالأفلام والمسلسلات الهابطة والمجلات الخليعة والأغاني وغيرها من وسائل الفساد .
4ـ حث المتعافي على استمرار العلاقة مع المستشفى ، ومتابعة برنامج الرعاية اللاحقة .
5ـ إذا شعرت بحاجة إلى أي استشارة اجتماعية ، فإن قسم الخدمة الاجتماعية يرحب بذلك0
6ـ مواجهة الانتكاسة المحتملة من المتعافي بشيء من الحكمة وحسن التصرف وعدم القنوط والإسراع في إحضاره للمستشفى.
7ـ ترشيد منح الثقة للأبناء ، فلا إفراط ولا تفريط ، فتكون المراقبة غير مباشرة ، وعدم التدقيق السلبي ، وإحصاء الأنفاس ويجب أن لا يشعر الأبناء بفقدان الثقة .
8ـ الابتعاد قدر الإمكان عن الخلافات الأسرية أمام الأبناء ، فذلك من شأنه يخلق أجواءً من التوتر داخل المنزل فيتزعزع تماسك الأسرة ويتصدع البناء الداخلي لها .
9ـ تواجد رب الأسرة المستمر في المنزل قدر المستطاع ، فوجوده يساعد كثيراً بإذن الله في ضبط الأمور ، ويمكنه من الإشراف والتربية وإصلاح الأحوال والمراقبة والمتابعة .
10ـ شغل أوقات فراغ الأبناء ، فكما هو معلوم أن الفراغ يؤدي إلى مفاسد عظيمة ، فمن المفيد أن يجتمع أفراد الأسرة لوضع برامج مناسبة لقضاء أوقات فراغهم ، فهذا الأمر سيتيح مجال للأبناء في إبداء آرائهم ، ويشعرهم بأن آراءهم ذات قيمة وأيضاً يتيح فرصة للأبناء لوضع البرامج الملائمة لميولهم ورغباتهم ، وتناسب قدراتهم وإمكانياتهم
11ـ توفير القدوة والمثال الحسن ، فالأبناء بطبيعة الحال يقلدون النماذج المثالية ، ويقتدون بها في أفعالهم وأقوالهم والعكس .
12ـ تشجيع الابن على حل المشاكل الخاصة والأسرية بتسلسل منطقي عقلاني ، وتدريبه على الاعتماد على النفس دعماً لسلوك التـعافـي لأن تجنيب الابن مواجهة المشاكل بشكل عقلاني يثبت عنده السلوك الإدماني .
13ـ إن الحماية الزائدة أو الإهمال أو التسلط أو التدليل المفرط أو التفريق بين الأبناء تعتبر أسوأ أنواع التنشئة الاجتماعية .
14ـ التواصل المستمر مع المدرسة ( إذا كان طالباً ) 0
15ـ إن أهم من ذلك كله ، هو الاستعانة بالله والتوكل عليه عز وجل في جميع الأمور ، والإلحاح في الدعاء سائلـين للأبناء الهداية والإصلاح والتوفيق .


رد مع اقتباس