سيرة 39
قليلا من الثقة يا سيدتي ..
قليلا من الثقة ..
هكذا هتفتُ رادا على رسالتها الخاصة
تلك التي دعتني فيها للكتابة في أحد المنتديات النخبوية ..
و أتاحت لي بذلك أن أكون نخبويا .. لأول مرة ، قبل أن أدخل هذه المدينة
كتبتْ لي ثمانية أسطر
اثنين منها ضمنتها دعوتها الكريمة
و ستة أسطر و زعتها بالتساوي على السطرين السابقين ، و التي لم تكن تحتوي إلا على مفردتين باردتين : " أخي " ، " أختك "
.
.
حينها فقط عرفتُ لماذا تُكتبُ مثل هذه المفردة فارغةً من محتواها
و في إطارٍ ضيِّق جدا ..
فتصير مفردة رائعة نتمترس خلفها .. لكي لا نُفهم خطأ ...
سيرة 40
كثيرا ما يورطني إبراهيم الأفندي في مواقف لا أحسدُ عليها .. ثم يذوب
لعل أشدها مرارةً ما حدث في سكرتارية قسم الأدب العربي حين كان الدكتور : صالح الزهراني - رئيس قسم البلاغة حينذاك - يزجي الوقتَ في قسمٍ لا يخصه ، و يتأملُ وجوه النابهين من طلاب الأدب العربي و هم يتسولون الساعات التي قد يمنحهم إياها أحد أساتذة القسم في حال اعتدال مزاجه فقط
فلا قوانين للجامعة .. سوى مزاج الأستاذ ، هذا هو القانون الوحيد ، و المتعارف عليه ضمنا .. بين أساتذة الجامعة و طلابها ....
أخبرني الأفندي أنه لا يرغبُ في لقاء الدكتور ، و طلب مني أن أقدم ورقة تسجيله لإحدى المواد البلاغية لسعادة رئيس القسم ، مراهنا على أن الأستاذ لا يعرفني ، و قال - ليشد من أزري - : سأنتظرك خارج القسم ..
و لأنني " كميكازي " بطبعي ، فقد أخذتُ لي مكانا في صف متسولي الساعات الدراسية ...
و حين جاء دوري .. قَدَّمتُ و رقتي - ورقة الأفندي المشؤومة - إلى سعادة الدكتور .. الذي تصفحني قليلا قبل أن يلتفتَ إلى الورقة ، ثم قال :
- أنت حامد بن عقيل ..؟!
صمتُ ، و قد ارتسمت علامات الدهشة على وجهي ، ثم بارتباك :
- نعم ...
قال : قرأتُ نصَّك في صحيفة عكاظ اليوم - نُشِر النصُ متوجا بصورتي - ، و قد عجبتُ حقا لاتجاهاتك الحداثية ...
ثم صمتَ قليلا ، و أخذ يتأمل الورقة ، ....
- هذه الورقة لابراهيم الأفندي ؟!
- نعم .
- ابن الشيخ أحمد ؟!
- أظنُ ذلك.
- و أين هو ؟!
لم أجب .. ، فوقَّع الورقة ، ثم تصفحني من جديد و أنا أتصببُ عرقا ..ثم قال :
- احذر ، فالجامعة لا تتبنى مثل هذه الاتجاهات ، كما أنني أريد لقاءك الأربعاء القادم ، أنت و الأفندي .
....
حين خرجتُ ..
قطعتُ ممرَّ كلية اللغة العربية الطويل و أنا أتحدثُ إلى صاحبي عن نسبيَّة القيم ، و عن الصدق و الكذب ..
بينما كان يتحدثُ صاحبي - في الوقت ذاته - عن البراجماتية ، و عن قوانين الجامعة ....
كنَّا نتحدثُ حينها عن أشياء لا تخصنا ، كما كان الدكتور يجلس في سكرتارية لا تخصه ، و كما يقوم البعض من الطلاب بتسجيل ساعاتٍ لا تخصهم ....!
سيرة 41
كلَّما استوتْ ظهيرةٌ في اليقين ، تسرَّبَ " شارع البرسيم " بمدينة الطائف إلى قلبي بكامل أزقَّته ، و بتتابعِ الحمَامِ فيه .. و هو يحطُ على الأرصفة متآلفا مع الباعة الذين يفترشون الأرض أمام دكاكينهم ، مازجا هديله بالوجوه الطيبة و المجهدة التي تثرثرُ في ظل " مخبز الكشميري " ، و تتحدَّثُ عن أرغفةٍ لا تأتي .....
.سيرة 42
كتبت " الهجرة و البرتقال .. مثلا "
و نُشِرت في الصفحة الثقافية للمبتدئين بصحيفة اليوم ،
ثم أتبعتها بـ " في انتظار ما لا يأتي "
و نُشِرت في ذات الصفحة ..
،
بعد نأي عن محاولاتي القصصية البائسة ...
أرسلت لصحيفة عكاظ ..
" نادل المدينة " .. و نُشِرت ..
و كنتُ حين أرسلتها قد تمترستُ خلف اسم " بهاء "
لأنني لم أراهن كثيرا على القصة
و لم أمتلك أدواتها التي ترضيني ..
لكنني استمريت :
قارئا شغوفا لكل ما أصل إليه من قصص
متذكرا فشلي الذريع ..
و أحلامي القصصية المرجأة ...
.
.


رد مع اقتباس