سيرة 50
كلُّ جدارٍ في طفولتي مررتُ به
شكى فوضى الألوان التي نقشتها عليه
بحكمة فنانٍ تشكيلي .. واهم .
سيرة 51
قلتُ له : سأدفع جائزةً مالية مجزية لمن يتثبتُ أنه يكرهك ..
ثم أضفت :
و أنا متأكدٌ أن مالي لن يفوز به أحد ،،،
ضحك طويلا ، ثم قال بحكمة بسيطة و بيضاء كقلبه :
- ماذا تريدُ من الناس ؟!
...
بعد رحيلة ، فهمتُ عن أي شيء كان يتحدث ،
و عرفتُ أن الكراهيةَ بستان الضعفاء ، الذي لا يمكن أن يُقذفَ بثمرة الفاسد طيبٌ كان يمرُ من هنا ، و يزرعُ الحب ..
الحب فقط ..!
سيرة 52
كلما حاصرتني خيبةٌ بكر
شعرتُ بالحنين إلى رعي قطيع الأغنام جنوب مدينة الطائف
كما كنتُ أفعلُ ذات حريَّة
سيرة 53
الصخب و العنف .. لوليم فوكنر
رواية حاولت كثيرا و بجهد أن أتجاوز صفحاتها الأولى .
.
.
رواية الروائيين ..
و في ذلك كان عزائي ..
فأنا شاعر فقط
و مشروع قاص فاشل
و فنان تشكيلي بائس
و بعضٌ من ذاكرةٍ مبتلة بهزائم الحياة ..
،
وليم فوكنر ..
أشعرني بالعجز ، و بالرغبة في تبرير الفشل ، و بشيء من التواضع
و الاعتراف بأن الكتابة سلَّمٌ يهوي بصاحبه إذا قرر الإمساك بأكثر من جهةٍ .. بيضاء في زمنٍ متمددٍ على قارعة الكسل
.
سيرة 54
أي العالم تريد أن ترى ؟
العالم الذي تشاهده في الأفلام السينمائية
أم العالم الذي يتسلقك كل يوم بتبعاته ؟
العالم الذي رسمه لنا المعلمون كحديقة غناء
أم العالم الذي صفعنا بصحرائه الموحشة ؟
أي العالم تريد أن ترى يا نواف ..
و سيخبرك أبوك بتفاصيله الدقيقة ..
فاختر أي عالم تريد
العالم الذي يقبع فوق الطاولة بأسى
أم العالم الذي يُمررُ بخبثٍ من تحتها ؟
سيرة 55
عندما أصيرُ مؤجلا ..
أو على وجه الدقة .. كلما صرتُ مؤجلا
صار لي ذاكرة .
...
لماذا أكثرُ من استخدام أفعال التحول في حديثي ؟!
...
صار ، أمسى ، بات ، أصبح ...
أتذكرُ الآن شيئا ، ستشاركوني فيه بعد فاصلة شمطاء..
مشهد :
وقفتُ أمام طلابي منتصبا كرياح صهباء
شعرتُ بزهو لا نظير له ،
قلتُ - بعد أن حرصتُ على رفع أنفي قليلا - :
سيكون اليوم درسنا حول قصيدة .. !
فأكمل الطلاب :
ابن الأبار القضاعي يرثي الأندلس يا أستاذ .
قلتُ :
يرثي جزءا من الأندلس ، ألا تنظرون إلى تاريخ وفاة الشاعر ..
قال أحدهم :
مات قبل سقوط الأندلس
أضفت متسائلا :
لعله كان يحمل شيئا من قبس النبوءة ( و ليس النبوة ) ، هكذا هم الشعراء .. صدقوني .. هكذا هم الشعراء .. !
في منتصف النص
كنتُ و طلابي نجمع أفعال التحول ، و الصور المتنافرة
( حلها الإشراك ، ارتحل الإيمان ، صارت للعِدا بِيعا ، أمسى جِدها تعسا ، و صيرتها الأعادي ... )
بعد انتهاء النص ، سألت :
ماذا يقول شعرؤنا اليوم ..
أجاب طالب :
سنعجز عن جمع الأفعال المتحولة .
قلت : أحسنت ، سيصير العالم متحولا
مثلا
سنشاهد الهزيمة بدلا من النصر
و القمع بدلا من الحرية
و ...
فقاطعني طالب آخر بأدب جم :
يا أستاذ .. صدقني لوكنتُ شاعرا لما استخدمتُ قاموس أفعالك المتحولة أبدا ..
كيف ؟
رد ضاحكا :
أفترضُ أننا سنصير إلى هزيمة .. أعلم ذلك
و لكن أين الانتصار الذي يُفترض أن يسبقها لنبكي عليه ؟!
.....
بالتأكيد ، لم يكن ذنبي أن يضم فصلي طالبا قضاعيا يحمل شيئا من مشكاة النبوءة ( و ليس النبوة ) ..
هذه العبارة هي آخر ما سجلته في محضر التحقيق الذي أمر بفتحه مدير المدرسة بناء على طلب أحد أولياء أمور الطلبة ، و الذي جاء في شكواه ما نصه :
لقد سمَّم معلم الأدب العربي أفكار ابني ، إنه - أي ابني - يسألني دائما عن الانتصار ، و متى سيجيء ، ذلك أنه يحلم أن يتنبأ بالهزيمة التي ستتلو النصر ، ليكون جديرا بأن يُدرَّس شعره في مدارسنا الثانوية بعد ألف عام تقريبا . إنني يا سعادة المدير أعجز عن التنبؤ حقا بزمن الانتصار القادم الذي يبدو أنه لن يأتي ، و هذا ما يعجزني أيضا عن منح ابني سببا للعيش من أجله مستقبلا .
عليه فإنني آمل منكم التحقيق مع هذا المعلم ، كما أقترح على سعادتكم إسناد تدريس مادة الأدب العربي لمعلم الجغرافيا الطيب ، فهو لا يفتأ يحدث أبناءنا عن الحدود ... التي يجب احترامها بموجب القوانين الدولية !
__________________


رد مع اقتباس