سوق أهل الجنة
روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن في الجنة لسوقاً ، يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم : والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم، والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً ". (1)
قال النووي في شرحه لهذا الحديث: " المراد بالسوق مجمع لهم يجتمعون كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق ، ومعنى يأتونها كل جمعة، أي في مقدار كل جمعة، أي أسبوع، وليس هناك حقيقة أسبوع، لفقد الشمس والليل والنهار ، ...... وخص ريح الجنة بالشمال، لأنها ريح المطر عند العرب ، كانت تهب من جهة الشام ، وبها يأتي سحاب المطر ، وكانوا يرجون السحابة الشامية ، وجاءت في الحديث تسمية هذه الريح المثيرة ، أي المحركة ، لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها ". (2)
اجتماع أهل الجنة وأحاديثهم
أهل الجنة يزور بعضهم بعضاً، ويجتمعون في مجالس طيبة يتحدثون، ويذكرون ما كان منهم في الدنيا، وما من الله به عليهم من دخول الجنان، قال تعالى في وصف اجتماع أهل الجنة: ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين ) [ الحجر: 47]، وأخبرنا الله بلون من ألوان الأحاديث التي يتحدثون بها في مجتمعاتهم ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقنا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البرّ الرحيم ) [ الطور : 25-27].
ومن ذلك تذكرهم أهل الشر الذين كانوا يشككون أهل الإيمان، ويدعونهم إلى الكفران، ( فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول إءنك لمن المصدقين * إءذا متنا وكنا تراباً وعظماً أءنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرءاه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل العاملون ) [الصافات : 50-61].
أماني أهل الجنة
يتمنى بعض أهل الجنة فيها أماني تتحقق على نحو عجيب، لا تشبه حال ما يحدث في الدنيا ، وقد حدثنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن بعض هذه الأماني وكيفية تحققها.
فهذا واحد من أهل الجنة يستأذن ربه في الزرع، فيأذن له، فما يكاد يلقي البذر، حتى يضرب بجذوره في الأرض، ثم ينمو، ويكتمل، وينضج في نفس الوقت، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتحدث – وعنده رجل من أهل البادية - : " إن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ (1). قال: بلى ، ولكن أحب الزرع ، فبذر، فبادر الطرف نباته (2). واستواؤه، واستحصاده، فكان أمثال الجبال ، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شيء " فقال الأعرابي : " والله لا تجده إلا قرشياً أو أنصارياً، فإنهم أصحاب الزرع ، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع ، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ". (3)
وهذا آخر يتمنى الولد ، فيحقق الله له أمنيته في ساعة واحدة ، حيث تحمل وتضع في ساعة واحدة .
وروى الترمذي في سننه، وأحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه فإسناد صحيح عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة كما يشتهي ". (4)
نساء أهل الجنة
المطلب الأول
زوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة
إذا دخل المؤمن الجنة، فإن كانت زوجته صالحة، فإنها تكون زوجته في الجنة أيضاً: ( جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم وأزواجهم وذرياتهم ) [ الرعد : 23]، وهم في الجنات منعمون مع الأزواج ، يتكئون في ظلال الجنة مسرورين فرحين ( هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ) [يس : 56]، ( أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ) [الزخرف: 70].
المطلب الثاني
المرأة لآخر أزواجها
روى أبو على الحراني في " تاريخ الرقة " عن ميمون بن مهران قال : خطب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أم الدرداء، فأبت أن تتزوجه، وقالت: سمعت أن أبا الدرداء يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " المرأة في آخر أزواجها، أو قال: لآخر أزواجها " ورجال هذا الإسناد موثقون غير العباس بن صالح فليس له ترجمة، ورواه أبو الشيخ في التاريخ بإسناد صحيح مقتصراً منه على المرفوع، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد ضعيف، ولكنه بمجموع الطريقين قوي، والمرفوع منه صحيح، وله شاهدان موقوفان: الأول يرويه ابن عساكر عن عكرمة " إن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وكان شديداً عليها، فأتت أباها، فشكت ذلك إليه، فقال: يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها، فلم تزوج بعده جمع بينهما في الجنة ".
ورجاله ثقات إلا أن فيه إرسالاً لأن عكرمة لم يدرك أبا بكر إلا أن يكون تلقاه عن أسماء .
والآخر أخرجه البيهقي في السنن أن حذيفة قال لزوجته: " إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة ، فلا تزوجي بعدي ، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا " (1). فلذلك حرم الله على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينكحن من بعده ، لأنهن أزواجه في الآخرة .
المطلب الثالث
الحور العين
يزوج الله المؤمنين في الجنة بزوجات جميلات غير زوجاتهم اللواتي في الدنيا، كما قال تعالى: ( كذالك وزوجناهم بحور عين ) [الدخان: 54]. والحور: جمع حوراء، وهي التي يكون بياض عينها شديد البياض، وسواده شديد السواد. والعين : جمع عيناء، والعيناء هي واسعة العين.
وقد وصف القرآن الحور العين بأنهن كواعب أتراب، قال تعالى: ( إن للمتقين مفازاً * حدائق وأعناباً * وكواعب أترابا ) [النبأ: 31-33]. والكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثدياها، والأتراب المتقاربات في السن . والحور العين من خلق الله في الجنة ، أنشأهن الله إنشاءً فجعلهنّ أبكاراً، عرباً أتراباً ( إنا أنشأنهن إنشاء * فجعلنهن أبكاراً * عرباً أترابا ) [ الواقعة : 35-37] وكونهن أبكاراً يقضي أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، كما قال تعالى: ( لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جان ) [ الرحمن : 56]، وهذا ينفي قول من قال : إن المراد بالزوجات اللواتي ينشئهن الله في الجنة زوجاتهم في الدنيا إذ يعيدهن شباباً بعد الكهولة والهرم، وهذا المعنى صحيح ، فالله يدخل المؤمنات الجنة في سن الشباب، ولكنهن لسن الحور العين اللواتي ينشئهن الله إنشاء.
والمراد بالعُرُب : الغنجات المتحببات لأزواجهنّ .
وقد حدثنا القرآن عن جمال نساء الجنة فقال: ( وحورٌ عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون ) [ الواقعة : 22 – 23] والمراد بالمكنون: المخفي المصان ، الذي لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس، ولا عبث الأيدي، وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان ( فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان * كأنهن الياقوت والمرجان ) الرحمن : 56-58] ، والياقوت والمرجان حجران كريمان فيهما جمال ، ولهما منظر حسن بديع، وقد وصف الحرور العين بأنهن قاصرات الطرف، وهن اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن، وقد شهد الله لحور الجنة بالحسن والجمال، وحسبك أن الله شهد بهذا ليكون قد بلغ غاية الحسن والجمال ( فيهن خيرات حسان * فبأى ءالآء ربكما تكذبان * حور مقصورات في الخيام ) [ الرحمن : 70-72].
ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس، والبصاق والمخاط والبول والغائط ، وهذا مقتضى قوله تعالى: ( ولهم فيها أزوج مطهرة وهم فيها خالدون ) [ البقرة: 25].
وقد حدثنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن جمال نساء أهل الجنة، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون، ولا يمتخطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن ". (2)
وانظر إلى هذا الجمال الذي يحدث عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - هل تجد له نظيراً مما تعرف؟ " ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " رواه البخاري . (3)
وتحديد عدد زوجات كل شخص في الجنة باثنين يبدو أنه أقل عدد، فقد ورد أن الشهيد يزوج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ففي سنن الترمذي وسنن ابن ماجة. بإسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "للشهيد عند الله ثلاث خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه ". (4)
غناء الحور العين
وقد أخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الحور العين في الجنان يغنين بأصوات جميلة عذبة ، ففي معجم " الطبراني الأوسط" بإسناد صحيح عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط . إن مما يغنين: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان. وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا يمتنه، نحن الآمنات فلا يخفنه، نحن المقيمات فلا يظعنّه ". (5)
وروى سموية في " فوائده " عن أنس، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الحور العين لتغنين في الجنة، يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام ". (6)
غيرة الحور العين على أزواجهنّ في الدنيا :
أخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الحور العين يغرن على أزواجهن في الدنيا إذا آذى الواحد زوجته في الدنيا ، ففي مسند أحمد، وسنن الترمذي بإسناد صحيح عن معاذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا ، إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله ، فإنما هو دخيل عندك ، يوشك أن يفارقك إلينا ". (7)
المطلب الرابع
يُعطى المؤمن في الجنة قوة مائة رجل
عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا من الجماع ". قيل : يا رسول الله ، أو يطيق ذلك؟ قال: " يعطى قوة مائة رجل " رواه الترمذي . (8)
ضحك أهل الجنة من أهل النار
بعد أن يدخل الله أهل الجنة الجنة ينادون خصومهم من الكفار أهل النار مبكتين ومؤنبين ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنه الله على الظالمين ) [ الأعراف : 44].
لقد كان الكفار في الدنيا يخاصمون المؤمنين، ويسخرون منهم، ويهزؤون بهم، وفي ذلك اليوم ينتصر المؤمنون، فإذا بهم وهم في النعيم المقيم، ينظرون إلى المجرمين، فيسخرون منهم، ويهزؤون بهم، ( إن الأبرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عيناً يشرب بها المقربون * إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين* وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ) [المطففين : 22-36].
نعم ، والله لقد جوزي الكفار بمثل ما كانوا يفعلون، والجزاء من جنس العمل، ويتذكر المؤمن في جنات النعيم ذلك القرين أو الصديق الذي كان يزين له الكفر في الدنيا، وكان يدعوه إلى تلك المبادئ الضالة التي تجعله في صف الكافرين أعداء الله ، فيحدّث إخوانه عن ذلك القرين، ويدعوهم للنظر إليه في مقره الذي يعذب فيه، فعندما يرى ما يعاينه من العذاب – يعلم مدى نعمة الله عليه ، وكيف خلصه من حاله، ثم يتوجه إليه باللوم والتأنيب ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أءنك لمن المصدقين * أءذا متنا وكنا تراباً وعظماً أءنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرءاه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين* ولولا نعمه ربي لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم ) [الصافات: 50-60].
التسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة
الجنة دار جزاء وإنعام، لا دار تكليف واختبار، وقد يشكل على هذا ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صفة أول زمرة تدخل الجنة، قال في آخره : " يسبحون الله بكرة وعشياً " (1). ولا إشكال في ذلك إن شاء الله تعالى ، لأن هذا ليس من باب التكليف، قال ابن حجر في شرحه للحديث : " قال القرطبي: هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام ! ، وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم بقوله: " يُلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس "، ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه، ولا بد منه، فجعل تنفسهم تسبيحاً ، وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه، وامتلأت بحبه، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره ". (2)
وقد قرر شيخ الإسلام أن هذا التسبيح والتكبير لون من ألوان النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة، قال: " هذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به ". (3)


رد مع اقتباس