عاشوا ... لنموت
تمر بالإنسان (ذكرى) بل (ذكريات) لا تخلو من ألمٍ .. وبكاء يتكرر على مرِ السنين ؛ يُمزقُ نياطَ القلوب ، وكعادةِ الدّنيا لا يدومُ فيها سعدٌ ، ولا تتصلُ بها عافية ٌ ، وإنّما تتوالى الحوادثُ والعِبَر ، وتتابع العَبَرات إثر العَبَرات .
أكتبُ هذا وأنا أعلمُ علمَ اليَقين أنَّ حالَ الإسلام ِ اليَومَ لا تسرُّ عدوّاً حاسدا ً، فضلاً عن صاحبٍ مُحبٍّ ، إذ غَدت بِلاد المسلمين نهباً مُشاعاً لكلِّ باغ ٍ عُتلٍ ظالم ٍ ، والدم المسلم أضحى أرخص الدماء فغدا هبة ٌ مبذولة ٌ ، وهكذا تتوالى المآسي وتتابعُ الطعناتُ في مشهدٍ تشعرُ مَعَهُ بالعجزِ والتيه أمامَ واقعٍ لأمهٍ لا تستطيع أن تُغير ما يَحدث .
هَل أَحَسستَ يَوماً بشعورِ طِفلٍ لا يَملك من أَمرهِ شيء وهو يَنظرُ إلى أُمهِ وهيَ تُحاول التخلص من بين براثن فَاجرٍ سَقيط ...
هذا الطفل المغلوب على أمره لا يقوى إلا على البكاء ، وكلما رأى أمه تنهار زادت دموعه وارتفع نَحيبه .
هذا هوَ حَالُنا ونَحنُ نَرى أمتنا تئنُ وتصرخُ وتَستحثُ أبناءها والظَلمةُ يتقاذفونها بينهم .
(غزة) ذاكرة أولى لمدينة لم تطأ قدمي ثراها ، ولم أتغنى بمراتعِ اللعبِ فيها ...
لم أطف على آَبارها ...
ولم تُثاغيني شِياهُها ...
ولكنها (ذكرى جرح) استقر في الخَاصرةِ ، بقدر ما كانت كبرياء شعب علمونا الصمود ، كان مشهد (طفل) فلسطيني وهو يرمي بالحجارة على بني صهيون وَهَم مُتسترون خلف مُجنزراتهم بما يحويه يُضيء في القلب بقايا كرامة .. وسرابُ عِزة ..
كانت مشاهد بقايا باصٍ مُحطم من أثر حزامٍ ناسف .. محتضناً جسد شاب .. ليطير مع أول سحبة له أشلاء .. وتتفجر دماء ، ليُفجر في الأمةِ دِماء العِزة والكَرامة .. ويطرد منها دماء متعفنة .
طاف برأسي مقارنة بين نموذجين ؛ يدُ طفلٍ ترمي بحجر، ويد شاب تسحب فتيل ؛ تتضح المفارقة بين من يشتهي الحياة بإثارة ، ومن يشتري الحياة بالموت .. فتحيى به شعوب .
كانَ على قمةِ جَبلٍ بيتٌ للنمل ، وسَرت النارُ في الجبلِ ؛ فلما اقتربت النار من القمة وقفت نملةٌ تخطبُ في جموع النمل حولها :
يا أَيها النَمل تجمعوا ولا تتفرقوا ؛ وشكلوا كرةً كبيرة من النمل ؛ ثمَ سنتدحرج من القمةِ حتى نَصلَ إلى سفحِ الوادي ؛ سَيَموتُ منا الذينَ على جدارِ الكُرة ؛ ولكن سَيَبقى الذينَ في الداخلِ ؛ وسيعيشون وستعيش من بعدهم أجيال .
هكذا بكلِ بساطة اكتشفتُ أننا في الخمسين عاماً الماضية كنا مجرد (أحياء) كبقية البشر ؛ حينما قرر آباءنا العيش ... متنا نحن من بعدهم .
اليوم قرر هؤلاء!! أن يموتوا ... لتعيش أجيال ...
بدأو يشعرون بقيمة حياتهم عندما بدأو يموتون ..
ليعيش أبناءهم من بعدهم .
ففي القتلى لأجيال حياة *** وفي الأسرى فدى لهموا وعتقُ !
يدٌ قَالت وأَثارت في ثَانية مَا لم نَستطع نحن (تُجَار الكلام) و (بَائعي التنظيرات) أن نَفعلهُ عَبر عشرات السنين ..
ياسر الخاطر
كاتب سعودي



رد مع اقتباس