تطبيق الشريعة
النظر في تطبيق الشريعة بالنسبة لغير المسلمين في بلاد الإسلام منظور إليه من شقين .
الأول : فيما يتعلق بالأحوال الشخصية وأحوال الأسرة فلكل ملة ما يعتقدون ، وتاريخ الإسلام الطويل عاش فيه اليهود والنصارى وغيرهم ولم يكن ثمة مشكلة قطعاً . لا في حال ضعف الدولة الإسلامية ولا في قوتها وكل الشعوب استقبلت المسلمين الفاتحين خير استقبال بدليل أنه عند ضعف الدولة لم يخرج أحد منهم عن إسلامه بل لازال إلى يومنا هذا مستمسكاً به مدافعاً عنه غيوراً عليه بما في ذلك الهندي والتركي والمغربي والعربي وسائر الأجناس .
بخلاف مواقفهم من الاستعمار الأوربي فكان الصراع على أشده منذ دخوله إلى خروجه ويسمى التخلص منه حرية واستقلالاً ولم يكن ذلك يوماً ما من الشعوب الإسلامية نحو الإسلام .
الثاني : فيما عدا الأحوال الشخصية ، فالنظرة المنصفة تقتضي أن ينظر إلى بقية الأحكام كسائر الأحكام في القوانين الأخرى من المعاملات والجنايات وهل القانون بجميع مواده إلا منعُ وإباحةُ ، ويدلك على التجني الظاهر أن واضح الأسئلة وصف تطبيق الشريعة بأنه دكتاتوري .
بينما كل القوانين حينما تطبق يجب أن تطبق بقوة وهو ما يسمى في مصطلحهم (( باحترام القانون )) فحين تحزم الدولة أو الحكومة النظام هل يكون هذا دكتاتورية .
وإنني أتساءل في تطبيق الشريعة في مصر أو السودان مثلاً ومن جملة الشعبين نصارى وحينما تكفل لهم أحكامهم الشخصية وشئونهم الأسرية بمقتضى ديانتهم كما أن للمسلمين أحكامهم الأسرية ماذا يريد النصارى في البلدين من قانون بعد ذلك – أي فيما عدا الأحوال الشخصية – هل يريدون قانوناً فرنسياً أو ألمانياً أو إيطالية أو إنجليزياً .
النظرة المنصفة والنظرة الوطنية المعقولة البعيدة عن التحيز أن يميلون إلى ما هو وطني مصري أو سوداني إن كانوا وطنيين .
فما الداعي لأن يفضل نصراني مصري القانون الفرنسي أو النصراني السوداني القانون الإنجليزي . ففيما عدا الأحوال الشخصية وأمور العبادات فإن أحكام الأنظمة والقوانين المدني منها والتجاري وقوانين العقوبة تختلف من قانون إلى قانون وقد تتفق في بعض المواد والأحكام ولعلك تدرك بهذا المدى التحيز والعنصرية ضد الشريعة الإسلامية والانحياز ..... لحضارة الرجل الأبيض .
إن اختلاف قوانين الدول فيما بينها أمر معروف مألوف . ولكن الإلحاح بالمطالبة بإبعاد الشريعة عن الحكم لا يخلو من أحد سببين .
* إما لأنها تعطي إتباعها الاستقلالية التامة والحرية المنشودة مع ما فيها من كمال وشمول وصلاح ومصلحة .
* وإما أنه تسلط محض يراد به الإثارة والبلبلة في المنطقة حتى لا تستقر ويسهل الاصطياد في الأجواء المتعكرة المضطربة .
وأي دكتاتورية في تطبيق الشريعة والكل يعلم من القاصي والداني أنه ما جرى استفتاء في تطبيق الشريعة إلا وكانت الأغلبية تنادي به ولكن الرجل الأبيض وحده لا يريد ذلك بدعوى حفظ حقوق الأقلية ويتساءل المتسائل أين حقوق الأكثرية في كثير من الدول الإفريقية التي يحكمها أقلية نصرانية متمكنة مسيطرة مدعومة من القوى الخارجية .
الحدود والعقوبات الجسدية :
إن الحدود والعقوبات - جسدية أو غير جسدية – ما هي إلا أحكام تنص عليها الشريعة كما ينص على مثلها أي قانون في الدنيا باعتبارها جزاءات توقع على المخالفين .
ويبقى النظر في المصالح المتحققة من جراء القانون ومدى إعطائه أثره ونتيجته كحافظ للأمن مثبت لاستقرار الناس في معاشهم وتنقلاتهم وأخلاقهم .
وليس من الإنصاف انتزاع مادة من قانون أو حكم من شريعة وإبرازه وكأنه مثلبة في هذا القانون أو ذاك . ولكن نظرة الإنصاف تقتضي النظر إلى النظام كله ، شروط الجريمة وتحققها وشروط إيقاع الجزاء وأسباب ذلك .
على سبيل المثال في هذه العقوبات المذكور من القطع والرجم إنك لن تجد في تاريخ الإسلام الطويل تنفيذاً لها إلا بعدد لا يجاوز أصابع اليد الواحدة ليس لأنها غير عملية وإنما من أجل الأمان الذي تحققه الشريعة في صرامة العقوبة ثم الشروط الموضوعة لتطبيقها حيث تدرء الحدود بالشبهات .
وحتى يكون الأمر أكثر واقعية نستشهد بالواقع المعاصر بقوانينه ونظمه .
إن الأمم المعاصرة وبخاصة دول الغرب قد ملكت أسلحة فتاكة وأجهزة نفاذة وتقنيات متقدمة ووسائل دقيقة واستكشافات باهرة وبخاصة في مجال الجريمة ، بحوثاً ودراسات وطرق في الملاحقات وتتبع المجرمين إضافة إلى التوعية الإعلامية الواسعة للجمهور والاستنارة بالثقافة والتقدم العلمي والوعي المعرفي للأفراد والجماعات وعلى الرغم من كل ذلك فإن الجريمة تستفحل ويزداد المجرمون عتواً وطغياناً ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإن تركيزهم منصب على استصلاح المجرمين وتهذيب الأشرار وقد أرادوا أن يجعلوا من السجون أماكن تهذيب وعنابر إصلاح واعتبروا المجرمين مرضى أحق بالعلاج منهم بالعقاب وألقوا باللائمة على عوامل الوراثة والبيئة والفساد الاجتماعي ، وهذا حق لا ينكر ولكن الأمر ليس مقصوراً على هذا الجانب وحده ، ذلك أن العضو المريض قد تكون المصلحة في بتره حتى لا يسري مرضه إلى الجسم كله وهذا أمر مقرر عقلاً ووقعاً .
والفساد الاجتماعي ما هو إلا من مجموع فساد الأفراد . أما السجون فقد غلظت فيها قلوب كثير من المجرمين وخرجوا منها في ضراوة أشد وشقاوة أعظم ومن اليسير أن يتعاون اللصوص والقتلة في رسم الخطط ويجعلوا من السجن ساحات ممهدة للتدريس وتقاسم المهمات يشاركهم في ذلك إخوان لهم في الغي خارج القضبان .
وأنت ملاحظ مدرك أن فكرة الهدف الإصلاحي للمجرمين والمعالجات اللينة قد مضى عليها أكثر من نصف قرن ومع هذا فالإجرام في تزايد مطرد فما كان هذا الهدف إلا وهماً وسراباً .
إن المجتمع الإنساني المعاصر بما فيهم العالم المتحضر قد بلغ ذروة من الاستهتار والاستباحة والاسترخاص للدماء والأموال والأعراض جعلت العقوبات في التشريعات الوضعية هزيلة بجانب سوء صنائع هؤلاء العتاة المجرمين ، أي رحمة أو تهذيب يستحقها هؤلاء القتلة والسفاكون ، وهل كان هؤلاء رحماء بضحاياهم الأبرياء ؟ وهل كانوا رحماء بالمجتمع كله بل تطور الأمر كما هو مشاهد إلى تطور المجرمين في وسائلهم فصاروا يشكلون العصابات التي تفوق أحياناً في إمكاناتها ووسائلها وتجهيزاتها الدول والحكومات ولا أدري أي عقاب سوف ينزله هؤلاء الرحماء بتجار المخدرات الذين لا نزال نسمع ازدياد أخبارهم واستفحال إجرامهم حتى أصبحوا ظاهرين غير متسترين بل صاروا يفاوضون الحكومات والجهات المختصة علناً!!
وبناءً على ما سبق فإن العلم والثقافة والحضارة في صورتها الراهنة عاجزة عن دفع الأخطار عن الإنسان الذي يعيش حياة الخوف والإرهاب على الأرض وفي الجو والبحر وفي المنزل والمكتب والمصنع والشارع .
ومجرم اليوم كما أسلفت مزود بالعلم والمعرفة ويتطور مع تطور أنظمة الشرطة وتجدد أساليب الملاحقة والمتابعة ويخطط كما يخطط رجال الأمن والكل في صراع لا يفصله إلا العقاب الزاجر العادل أفلا يفقهون .
وأخيراً فإن هناك عقوبات جسدية تطبقها بعض القوانين المعاصرة وأبرزها عقوبة الإعدام بل هذه العقوبة كانت ملغاة في بعض القوانين ثم عادوا إليها وفي كتابنا نحن المسلمين عبارة جامعة قاطعة : { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمَاً لِقَوْم ٍ يُوقِنُونَ} . [ سورة المائدة ، الآية : 50 ] .
![]()






رد مع اقتباس