الفصل الثالث

التقرير الطبي:
الاسم: شهد محمد إبراهيم
العمر:8 سنوات
الجنسية: سعودية
التشخيص:غيبوبة غير معروفة الأسباب، ونقص حاد في العناصر الغذائية، وفقر في الدم، وتليف في الكبد، وفشل كلوي، مع ضمور في العضلات.
العلاج: غير معروف.


***

- أمي أريد أن أذهب معكِ؟ في كل مرة تقولين لي (المرة القادمة)، حسنًا هذه هي المرة القادمة قد أتت، أرجوكِ ... سأكون مؤدبةً ولن تسمعي لي أي صوت.

تعلقت الطفلة ذات الثمان سنوات بأذيال عباءة والدتها المزركشة، وهي تهتف بين دموعها بهذه العبارات، التفت نحوها والدتها، ومن خلف نظاراتها الشمسية الثمينة نظرت إليها وقالت:
- ستكونين مؤدبة يا (شهد) .. أليس كذلك؟
من خلف قناع الحزن هتفت (شهد) بلهفة فرحة وهي تقول:
- بالطبع أعدك بذلك.
- حسنًا .. أغسلي وجهك وأسرعي فسأكون بانتظارك في السيارة مع السائق.

جرت الصغيرة تسابق خطواتها الرشيقة، وهي تقفز عتبات الدرج، وأمام المرآة وقفت تغسل وجهها الجميل، تزيل ما علق به من آثار الدموع، وتمح عنه أطياف الحزن، وعندما انتهت جففت يديها الصغيرتين، والتقطت حذائها وحقيبتها وأسرعت حافية إلى السيارة التي كانت تقف بانتظارها بالخارج.

في السيارة وبعد أن لبست حذائها التفت نحو النافذة المعتمة لتمارس هوايتها المحببة في مشاهدة السيارات وراكبيها، وهي تهز رأسها على أنغام الأغنية العاطفية تحب والدتها سماعها دومًا، كانت الشمس على بعد ساعات من الغروب، والسيارات كعاداتها في هذا الوقت من يوم الخميس تملاء (طريق العليا). ابتسمت (شهد) وهي ترمق المبنى الشاهق بعينين جذلتين وهي تتوقع أنهما متجهتان نحوه، فهي لا تطيق صبرًا لكي تذهب إلى مدرستها وتخبر صديقاتها عن رحلتها مع أمها إليه. التفتت نحو والدتها وهي تقول:
- ماما .. سنذهب إلى (المملكة) .. أليس كذلك؟
- ليس اليوم يا حبيبتي، فنحن في طريقنا إلى مكان متخصص بالأواني المنزلية، نحتاجها لمنزلنا الجديد.
- وأين هذا المكان ؟
- اسمه (السبالة).

قطبت الصغيرة حاجبيها، وهي تحاول استيعاب هذا الاسم الغريب، وهي تحاول مقارنته بما لديها من كلمات في قاموس مفرداتها، قالت لأمها مرة أخرى:
- (ما أعرفه .. شكله مو حلو .. )
ابتسمت أمها وبانت أسنانها اللامعة واضحة من خلف لثامها الخفيف، وهي تقول:
- هكذا أنت .. كل مكان لا تعرفيه لابد أن يكون مكانًا سيئًا، لا تخشي شيئًا سوف يعجبك المكان بالتأكيد.

مطت (شهد) شفتيها، وهزت أكتافها الصغيرة، وألقت بظهرها على المقعد، وعقدت ساعديها الصغيرين على صدرها، مبديةً عدم اقتناعها بما قالته والدتها عنها، وقالت بلهجة العارفة ببواطن الأمور:
- أنا أعرف .. لن يعجبني هذا المكان.

بصبر نافذ قالت لها والدتها:
- أنتِ من أصر على المجيء، ولا تقلقي .. فلن يطول مكوثنا هناك.

في شوارع السبالة الضيقة، دخلت سيارة فارهة معتمة النوافذ، تمشي بهدوء إلى أن توقفت أمام أحد المحلات المشهورة للأواني المنزلية في ذاك الشارع، ونزلت منها امرأة بحجاب عصري، وفتاة صغيرة بقميص وردي وبنطال أحمر وحذاء أنيق بنفس اللون، ودلفا سويًا إلى المحل الكبير.

تهافت عمّال المحل على المرأة مرحبين بها، وهم يرمقون ما تخبئه العباءة الفرنسية المخصّرة، والعينين الكحيلتين المختبئتين خلف النظارة الأنيقة، والسيارة الفارهة بعيون مملوءة طمعًا، ويعرضون عليها ما تريد وما لا تريد، وكل منهم يريد أن يتقرب منها لينعم برائحتها الجذابة، وبينما انهمكت الأم في الاختيار، بدأت (شهد) كعادتها في استكشاف المكان، والجري بين الممرات، وكل من في المحل يخطب ودها ليُرضي والدتها، التي كانت ترقب ابنتها بعين الرضا وهي تلمحها تلعب في سعادة، وفي مرات أخرى تطلب منها الهدوء لكي لا تزعج العملاء الآخرين الذين يملئون المحل.

بدأ الملل يدب بين جوانح (شهد) التي تعودت على المحل بعد أن أمضت فيه وقتًا طويلاً، ولكن والدتها مازلت تريد شراء المزيد بالرغم من الأكياس الكثيرة التي تكدست أمام البائع، فقررت الخروج إلى السيارة حيث تركت حقيبتها وبداخلها هاتفها المحمول لكي تتصل بصديقتها، فبالرغم من عمرها الذي لم يتجاوز ثمان سنوات إلا أن والدتها سمحت لها باقتناء هاتف محمول يُسليها في وقت فراغها، استأذنت من أمها التي سمحت لها بذلك، ثم خرجت إلى الشارع.

كانت الشمس توشك على المغيب، والشارع يكتظ بالسيارات، وبعينيها الواسعتين كانت (شهد) تبحث عن السيارة لكنها لم تجدها، أعادت النظر مرة أخرى وهي تتساءل أين يمكن أن يذهب السائق، خصوصًا أنها سمعت والدتها تؤكد عليه أن ينتظر قريبًا من هنا، وبين زحمة السيارات والناس لمحت سيارة تشبه سيارتهم فبدون تردد اتجهت نحوها بخطوات سريعة وعندما اقتربت منها تعرّفت عليها فورًا، حاولت أن تفتح الباب، لكنه كان مقفلاً ... ولم يكن هناك أحد بالداخل.
.
.
وللحديث بقية!