بدأني أخي بالكلام : كيف حالك أخية ؟ لماذا تهربين الى هذا المكان الخرب النائي ...
تعالي معنا ..
سألته بريبة وبدا سؤالي حادا كرصاصة سريعة أطلقتها دون تفكير : الى أين ؟

أعاد سؤالي مستعجبا : الى أين ؟ .. الى عالم البشر .. الى أهلك وقومك .. الى جنسك البشري ..
أم أنك قررت الانتماء الى فصيلة أخرى غير فصيلة الانسان ...

أنا : وما الذي يجعلك تظن أنني أتنكر لبشريتي ؟

أخي : هذه العزلة التي تفرضينها على نفسك .. وعلى عقلك وقلبك .. رفضك التواصل مع العالم المتحضر .. سجن نفسك مع حكايات وقصص بالية لم يعد هنالك من يصدقها في عالم العلم التجريبي .. حيث العقل هو الله ...

أفزعني كلامه وصرت أحدق فيه مصعوقة عاجزة عن النطق بكلمة ...
وربما لاحظت أختي ذلك فسارعت لتلطيف الجو ...

أختي : حبيبتي لماذا تخافين العالم الخارجي .. أليس هو العالم الذي خلقه الله لنعيشه ..
أنت تغضبين ربك برفضك العيش في عالم هو صنعه على هذا النحو .. ونحن يجب أن نتقبل ارادة الله وننفذها ....
عزيزتي ... أنت صبية جميلة وهنالك الكثير من المتع التي يريد الله اهداءها لك .. أفلا تقبلين
هدايا خالقك ...

وهنا تدخلت صديقتي ريم لتقول بحماسة : نعم يا عزيزتي .. اسأليني أنا .. فنحن لم نكن نعرف الحياة على حقيقتها ... كنا نمارس الموت لا الحياة .. كنا مضللين وقد أرسل الله الينا من يفتح عيوننا على حقيقة الوجود ... وعلى كيف نرضي الله عنا ..

أنا : غريب حقا يا ريم .. فقد كنت أظنني وأنت ندرك منذ طفولتنا عندما كنا نجلس سويا على نفس المكتب في نفس الفصل .. ماهي حقيقة الوجود .... ولماذا خلقنا الله ... وكيف نرضيه عنا ...

وهنا يضحكون جميعا ويقول أخي : عزيزتي ليس كل ما تعلمناه صحيح ... لا تكوني ساذجة
فليست هنالك حقيقة مطلقة ... لكننا الآن وبفضل التقدم العلمي والصناعي والاجتماعي الانساني
نحاول نحن كل سكان العالم أن نعتقل الحقيقة المطلقة ....
ولن يتم لنا هذا الا اذا أزلنا الحواجز والحدود لتتحد قلوبنا وعقولنا باسم الحب والسلام ...
اننا بفضل هذا اهتدينا الى حقائق جديدة لم نكن ندركها من قبل ...

قلت له بحده : ان كل ما احتاج لادراكه موجود في هذا الكتاب .. انه حقيقتي المطلقة ولن يسلبني أحد اياها ...
ورفعت المصحف في وجهه .. فتراجع الى الوراء واخرج من جيبه نسخة صغيرة لمصحف
وقال بسخرية ... ان كنت تظنينها حقيقتك وحدك فأنت مخطئة .. وها أنا أمتلك نسخة منه ...

وهنا تدخلت أختي وقالت : بالطبع ياحبيبتي .. ان القرآن هو منهجنا ورسالة ربنا الينا ...
لكن المشكلة لم تكن تكمن فيه .. بل في فهمنا وتفسيرنا له ... لقد انغلقنا على ذواتنا سنوات طويلة وجعلنا نظرية الولاء والبراء تخنق انسانيتنا ... لأننا ظننا أن القرآن يريد لنا ذلك ...
لكن الأمر ليس كذلك ... الله هو اله العالم كله والاسلام يدعو للعالمية ....

وهنا فقط بدأت ألحظ شيئا غريبا ... و وجدتني أنظر في عيون أخي وأختي وصديقتي بامعان
لاكتشف فجأة بأنها عيون من زجاج ... حتى ألسنتهم كان لها لون أسود غريب وبدت لي أطول من المألوف ..
فشعرت ببعض الخوف وتراجعت الى الوراء ....

كل هذا في حين كان أخي يتابع كلام أختي ويهز رأسه باستحسان و وجدته يكمل عنها ...
ان الاسلام هو مجرد دين أو فلسفة حياة ... وقد اختار لنا الخالق عدة رسالات ولكل رسالة فلسفة مختلفة ... فكانت اليهودية والنصرانية والبوذية والكونفوشية ...

كلها رسالات وفلسفات أهدتنا اياها السماء ... ولا تقولي لي أنك تقبلين اليهودية والنصرانية كأديان سماوية منسوخة وترفضين الاعتراف بالبوذية والكونفوشية والزرادشتية ...

انها جميعا فلسفات اهتدى اليها اشخاص بشريون بارادة الله ... هذا هو التحضر يا عزيزتي ...
لا تنظر الى الآخر على أنك وحدك ابن الله البار المهتدي ..


الحقيقة أنني بعد كل هذا الكلام شعرت بدوار وأوشكت أن أسقط لولا أن تمسكت بجدار خرب قربي ...
ثم تمالكت نفسي لأسأله آخر سؤال ...
وكم بدا سؤالي غريبا ومنطقيا في نفس الوقت ...

سألتهم جميعا : ترى ما الدين أو الفلسفة التي تعتنقونها الآن ؟

وهنا تجهم وجه أخي وبدت نظرات الغضب في عيني أختي وصديقتي ...
وقال لي أخي بحدة : ويحك أتظنين أنك وحدك المسلمة ؟!!!
نحن مسلمون أكثر منك لأننا نعرف الاسلام الحقيقي أفضل منك ...
ان الاسلام الحقيقي هو الاستسلام للطبيعة بكل غرائزها ...

انه الغاء الحدود والقيود بين جميع بني البشر ونشر رسالة الحب والتآخي .. لا الانعزال والكراهية والحرب ...
و وجدتني مضطرة لأسأله ثانية : وماذا عن كل ما تعلمته من علم شرعي يحدد العلاقة بين المسلم وغير المسلم ... ويهذب الغرائز ويجعلك تحكمها قبل أن تحكمك ...؟

رد علي باستخفاف : هذه مشكلتك .. مازلت تعيشين في عصر الكتب والتفاسير وأصول الفقه وعلوم القرآن والحديث وكل هذه الترهات المحنطة ...
ولو خرجت الى العالم اليوم لوجدتها مخطوطات في متاحف .. قيمتها تكمن في قدم الورق الذي دونت عليه .. وفيما عدا ذلك فلا قيمة شرعية أو علمية لها ...
وأعاد اخراج المصحف الصغير من جيبه وقال لي وهو يلوح به .. نحن لسنا ملزمين الا بهذا الكتاب .. ولقد اهتدينا الى تفسير عالمي له .. تقبله جميع الأمم ..
وعليكي أن تفهمي هذا وتتأقلمي معه ...
وصرخ بأعلى صوته وكأنه يريد اقناع نفسه بهذه العبارة التي نطق بها قبل أن يقنعني بها :
نحن لن نعود الى العصور المظلمة ... بعد أن غمرتنا العولمة بالنور ....

وتظل للقصة بقية ..