وبكل قوة سحب الباب خلفه وأغلقه بإحكام , وتعالت وقع خطواته وهو يبتعد عن الغرفة , وبعد أن اختفت كليا , رفعت ( شهد ) رأسها تنظر إلى ( عبدالله ) وتقول له بانبهار :
ـ شكرا ... لقد أنقذتني منه , لقد كنت بطلا .
ابتسم لها وهو يتحسس شعر رأسها , ويقول لها :
ـ لا عليك .. فلقد حرمنا أنفسنا الطعام , لكن أريني الآن ما أحضرت لنا .
دست يدها الصغيرة تحت الفراش وأخرجت أنبوبا معدنيا طوله يقارب مترا واحدا , وبقطر بوصة واحدة , قلبه ( عبدالله ) بين يديه , ونظر إليها وقال :
ـ كيف عرفت أنه هناك يا ( عفريتة ) .
ـ قلتها لأمي من قبل .. وأقولها لك الآن ... ( أنا أعرف ) .
بهذا الأنبوب لم يعد ( عبدالله ) بحاجة إلى ( أحمد ) , فبدأ يحاول يوسع به الفوهة التي في السقف , لكن العمل لم يكن سهلا , وصوت ضرب الحديد بالسقف كان عاليا , وبالرغم من تهالك المبنى إلا أنه ما زال به رمق مقاومة , لم ييأس ( عبدالله ) , واستمر في مواصلة العمل بحماس لا يفتر , ورغبة في الخلاص فاقت كل شيء , إلى أن اتسعت الفتحة وأصبحت قادرة على استيعاب جسد صغير جدا , مثل ( شهد ) و ( دعاء ) غير أنها ما تزال عصية على ( عبدالله ) و ( أحمد ) , توقف ( عبدالله ) يلتقط أنفاسه , وطلب من ( شهد ) أن تصعد إلى الأعلى بهدوء وترى إلى ما تؤدي إليه هذه الفوهة , وبيديه القويتين حمل جسدها الصغير , واستطاعت بمهارة أن تنفذ إلى السطح بعد عدة محاولات .
في الأعلى كادت ( شهد ) أن تصرخ بأعلى قوتها فرحا , فهذه هي المرة الأولى التي ترى فيها السماء منذ ثلاثة أسابيع , بل إنها كانت تميز برج ( المملكة ) الذي كانت تمني نفسها بزيارته مع والدتها ... التي اشتاقت إليها , سالت الدموع الحارة على وجنتيها , وهي تتأمل المكان حولها , كانت البيوت متلاصقة مبنية كلها من الطراز القديم , المتصل ببعضه , وتابعت بعينها خط المنازل إلى أن عرفت أنها تقف عند شارع فرعي , يصب في شارع رئيسي .