الحلقة العاشرة :
حاجة الإنسان إلى الصحة النفسية والقوة الروحية :
وثمة حاجة أخرى إلى الدين : حاجة تقتضيها حياة الإنسان وآماله فيها ، وآلامه بها ، حاجة الإنسان إلى ركن شديد يأوي إليه ، وإلى سند متين يعتمد عليه ، إذا ألمت به الشدائد ، وحلت بساحته الكوارث ، ففقد ما يحب ، أو واجه ما يكره ، أو خاب ما يرجو، أو وقع به ما يخاف ، هنا تأتي العقيدة الدينية ، فتمنحه القوة عند الضعف ، والأمل في ساعة اليأس ، والرجاء في لحظة الخوف ، والصبر في البأساء والضراء ، وحين البأس 0 إن العقيدة في الله وفي عدله ورحمته ، وفي العوض والجزاء عنده في دار الخلود ، تهب الإنسان الصحة النفسية والقوة الروحية ، فتشيع في كيانه البهجة ، ويغمر روحه التفاؤل ، وتتسع في عينه دائرة الوجود ، وينظر إلى الحياة بمنظار مشرق ، ويهون عليه ما يلقى وما يكابد في حياته القصيرة الفانية ، ويجد من العزاء والرجاء والسكينة ما لا يقوم مقامه ولا يغنى عنه علم ولا فلسفة ولا مال ولا ولد ولا ملك المشرق والمغرب 0 ورضي الله عن عمر إذ قال : " ما أصبت بمصيبة إلا كان لله علي فيها أربع نعم ، أنها لم تكن في ديني ، وأنها لم تكن أكبر منها ، وأنني لم أحرم الرضا عند نزولها ، وأنني أرجو ثواب الله عليها " 0
أما الذي يعيش في دنياه بغير دين ، بغير إيمان ، يرجع إليه في أموره كلها وبخاصة إذا ادلهمت الخطوب ، وتتابعت الكروب ، والتبست على الناس المسالك والدروب ، يستفتيه فيفتيه ويسأله فيجيبه ، ويستعينه فيعينه ، ويمنحه المدد الذي لا يغلب ، والعون الذي لا ينقطع 0 إن الذي يعيش بغير هذا الإيمان يعيش مضطرب النفس ، متحير الفكر ، مبلبل الاتجاه ، ممزق الكيان ، شبهه بعض فلاسفة الأخلاق بحال ( راقاياك ) التعس ، الذي يحكون عنه أنه اغتال الملك ، فكان جزاؤه أن يربط من يديه ورجليه إلى أربعة من الجياد ، ثم ألهب ظهر كل منها ، لتتجه مسرعة ، كل واحد منها إلى جهة من الجهات الأربع ، حتى مزق جسمه شر ممزق 0 هذا التمزق الجسمي البشع مثل للتمزق النفسي الذي يعانيه من يحيا بغير دين ، ولعل الثاني أقسى من الأول وأشد في نظر العارفين المتعمقين ، لأنه تمزق لا ينتهي أثره في لحظات ، بل هو عذاب يطول مداه ، ويلازم من نكب به طول الحياة 0 ولهذا فإن الذين يعيشون بغير عقيدة راسخة يتعرضون أكثر من غيرهم للقلق النفسي ، والتوتر العصبي ، والاضطراب الذهني ، وهم ينهارون بسرعة إذا صدمتهم نكبات الحياة ، فإما انتحروا انتحارا سريعا ، وإما عاشوا مرضى النفوس ، أمواتا كالأحياء 0 وهذا ما يقرره علماء النفس وأطباء العلاج النفسي في العصر الحديث وهو ما سجله المفكرون والنقاد في العالم كله 0 يقول المؤرخ الفيلسوف ( آرنولد توينبى ) : " الدين إحدى الملكات الضرورية الطبيعية البشرية ، وحسبنا القول بأن افتقار المرء للدين يدفعه إلى حالة من اليأس الروحي ، تضطره إلى التماس العزاء الديني على موائد لا تملك منه شيئا " 0 ويقول الدكتور ( كارل بانج ) في كتابه ( الإنسان العصري يبحث عن نفسه ) : " إن كل المرضى الذين استشاروني خلال الثلاثين سنة الماضية ، من كل أنحاء العالم ، كان سبب مرضهم هو نقص إيمانهم ، وتزعزع عقائدهم ولم ينالوا الشفاء إلا بعد أن استعادوا إيمانهم"0 ويقول ( وليم جيمس ) فيلسوف المنفعة والذرائع : " إن أعظم علاج للقلق ـ ولا شك ـ هو الإيمان" 0 ويقول الدكتور ( بريال ) : " إن المرء المتدين حقا لا يعاني قط مرضا نفسيا " 0 ويقول ( ديل كارنيجي ) في كتابه ( دع القلق وابدأ الحياة ) : " إن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي والاستمساك بالدين ، كفيلان بأن يقهرا القلق ، والتوتر العصبي ، وأن يشفيا من هذه الأمراض " 0 وقد أفاض الدكتور( هنري لنك ) في كتابه ( العودة إلى الإيمان ) في بيان ذلك والتدليل عليه بما لمسه وجربه من وقائع وفيرة ، خلال عمله في العلاج النفسي 0
ولا شك أن التمسك بالدين الإسلامي وبكل ما جاء به يمنح الفرد الإيمان الكامل ، والذي تتولد عنه الصحة النفسية في أعلى مستوياتها 0

الأسرة المستقرة نفسيا :
ويوصي الإسلام بالأسرة المستقرة وينهي عن الانفصال بين الأزواج ، ويضع قواعد الاستقرار ويضيق فرص الطلاق إلى أبعد درجة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبغض الحلال عند الله الطلاق ) 0 وقامت في الأيام الأخيرة علاجات شتى للأسرة وتقدم هذا النوع من العلاج، وأصبح له دوره الهام في العلاج النفسي عن طريق علاج الأسرة 0 ونجد أن القرآن الكريم يوصي عند بدء الشقاق والخوف من استفحاله في الأسرة بتدخل كبار أعضائها بالتوفيق بين الزوجين حفاظاً على كيان الأسرة واستقرارها النفسي الهام 0 ويقول سبحانه وتعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا }.
ووضع الإسلام للأسرة مسئوليات وحمل كل أعضائها قسطا من هذه المسئوليات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته 000 الحديث ) 0 وحمل الأبناء مسئولية احترام الآباء والعطف عليهم ، وقرن عبادة الله عز وجل بالإحسان للوالدين في قوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً } 0وتبلغ التوصية بإكرام الوالدين أ قصاها من قوله تعالى حاضاً على استمرارية الاحترام والمعروف في علاقة الأبناء بالآباء : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً } 0 وهذا هو قمة الحفاظ على العلاقات الأسرية لما لها من أهمية في ميدان الصحة النفسية 0

الإسلام والعمل: حث الإسلام على العمل ووضع له آداباً وقوانين عديدة ، وفضل العاملين على غير العاملين وأجزل الثواب للعاملين المحسنين، وحذر المتهاونين الكسالى قال تعالى : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } 0 وقال تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً } وحث على استمرارية الصبر في العمل وبين بجلاء أن الصبر كفيل بتحقيق وكفيل النجاح وكفيل بزيادة الإنتاج 0 ومعلوم أن الصبر من مقومات الصحة النفسية كما ينمي الطاقات البشرية ويزيد من رصيدها ومن إفراز المواد التي ، اكتشفت حديثاً والتي تزيل الآلام وتؤدي إلى استقرار الصحة النفسية 0

بناء الأسرة الصالحة:
كما هدف الإسلام إلى تكوين الفرد أو الإنسان الصالح، بوصفه اللبنة الأساسية في البنيان الاجتماعي للأمة، هدف كذلك إلى بناء الأسرة الصالحة، التي هي الخلية الأولى والضرورية لقيام المجتمع الصالح 0
ولا خلاف أن الزواج ـ الذي يربط بين الرجل والمرأة برباط مقدس ـ هو أساس تكوين الأسرة المنشودة، فلا مكان لقيام أسرة صالحة، أو أسرة حقيقية بغير الزواج، كما شرعه الله تعالى 0
أفكار منحرفة عارضت الزواج:
عرفت الإنسانية في القديم والحديث أفكارا ومذاهب تعارض فكرة الزواج 0
ففي فارس ظهرت قبل الإسلام فلسفة "ماني" الذي يزعم أن العالم ملئ بالشر، ويجب فناؤه، ومنع الزواج أقرب وسيلة إلى المسارعة بفناء العالم 0
وفي ظل النصرانية ظهرت "الرهبانية" العنيفة، التي تفر من الحياة، وتلجأ إلى الأديرة، وتحرم الزواج، لأن المرأة فتنة مجسمة، وشيطان في صورة إنسان، والقرب منها خطيئة تلوث الأرواح، وتبعد عن ملكوت السماء 0
وفي العصر الحديث وجد في الغرب فلاسفة متشائمون، صبوا جل سخطهم على المرأة، وقالوا: إنها حية تسعى لين مسها، قاتل سمها، والزواج يعطيها فرصة لتتحكم في الرجل، وتثقله بالقيود والتكاليف، فلماذا يضع الرجل ـ باختياره ـ الغل في عنقه، وقد خلق حرا؟
ومن المؤسف أن بعض شبابنا "العصريين" غرتهم هذه الأفكار، فأعرضوا عن الزواج، لما وراءه من مسئوليات وتكاليف وقيود، وهم يريدون أن يعيشوا العمر كله أطفالا يعبثون، لا يحملون عبئا، ولا يتحملون تبعة، فإن غلبتهم الشهوة، ونادتهم الغريزة، ففي مباءات الحرام الخبيث، ما يغنيهم عن طيب الحلال 0
إن بالزواج السعيد ترتفع مؤشرات الصحة النفسية عند الأفراد 0