للنقد الأدبي أدواته(التي لا أجيدها ) ومدارسه ( التي أجهلها ) ...
ولكن اسمحوا لي بهذه المداخلة الجحفانية ....
سأحاول أولاًُ نقده من الناحية الهيكلية (البنائية ) متجاهلين المعاني وترابطها تشبيانها بمعنى أبسط (سأنقد - الوعاء- ثم بعد ذلك أنقد السائل الذي يحويه هذا الوعاء ! ):
منذ الوهلة الوهلة الأولى تجد أنك أمام شاعرة متمكنة كتبت قصيدتها موزونة على الطريقة الخليلية ( القصيدة العمودية ) لكن قطعت أسطرها بمكر لتبدو أكثر حداثة بنهج ( قصيدة التفعيلة) هذا يدل على وعيها واحساسها بالجرس الموسيقي ..
فالبيت الأول يمكن كتابته هكذا :
لأنك في العمــــر سر الفرح لأنك في العين رمــــز السرور
فكل الأمــاني وجل الــمرامي عـلى ساعـديك الأنيق تــــدور
لكنها آثرت كتابته بالشكل التالي :
لأنك في العمــــر سر الفرح
لأنك في العين رمــــز السرور
فكل الأمـــــاني
وجل الــــمرامي
عــــلى ساعـــــــديك الأنيق تــــدور
وتابعت هذا التقطيع في كل القصيدة ...
( وهكذا ترتدي القصيدة العمودية حلة أكثر حداثة وتصبح قصيدة تفعيلة !!! ) ..
وهي طريقة كان أول من أثارها ( في نظري الخاص ) الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة وتبعها الكثير وجحد أسبقيتها أكثر ..
والقاريء حين يقرأ بعين فاحصة كثير من قصائد نزار قباني والبياتي وغازي القصيبي يلاحظ هذا النهج ..
( لن أثقل عليكم بريادة نازك الملائكة واقتراحها في تقطيع البحور الشعرية ذات التفعيلة المكررة فبدلا من التزام 6 وحدات-مثلا- يمكنك التزام أربع أو ثلاث قد تتحول لواحدة كما في البحر الكامل ... ولا أخفيكم علما بجهلي التام لبحور الشعر وحجم علمي بها يوازي علمي الجحفاني باللغة الهيروغليفية ) ...
وشاعرتنا لم تقطع أبياتها على أسطر فحسب بل أنها كتبت قصيدة التفعيلة بحق حين تحررت من حرف الروي لكنها التزمت القافية ..(أي لم تقيد نفسها بحرف الراء لكنها التزمت القافية وهي على ما أظن بوزن (فعول ) في ( الـ"سرور" - الـ"هجير" - "عليل "- عا"شقين" - "أنين"- مـ"ستحيل" )
ما سبق يبين بوضوح أن شاعرتنا متمكنة من أدواتها وضبطها لإيقاع الرتم الموسيقي ..
وهي تكتبه بهذه الطريقة لتقود أفكارنا لما أرادت التعبير عنه وتخلق داخل التفعيلة موسيقا جديدة لكن داخل السيمفونية العامة ..
مثلاً في البيت الثاني:
سأحمل للحب رمزاً جلياً
أسير به في فيافي الهجير
أســطّر حــباً
وفياً وعشـقاً
يــــتوق إلى الملتقى والمصــــــــــير
في تجانس موسيقى (أســطّر حــباً ... وفياً وعشـقاً) رتم داخلي لكن التزم العروض الخليلية للبيت وتماهى بجمال آخاذ مع (فكل الأمـــــاني ...وجل الــــمرامي) في البيت الأول وخضوعه لصرامة عروض الخليل .. هذه الموسيقى صاحبها طبل يشدنا له باستخدام تقنية الوقفة الاجبارية بنهاية السطر ثم ليعود القرع من جديد بوقفة اجبارية أخرى عند نهاية السطر الثاني (هذا سر جمال قصيدة التفعيلة بشكل عام )
( أستأذنكم في استطرادي الجحفاني الخاص التالي ):
فبعد مرور ما يقارب نصف قرن لظهور الحداثة في الشعر ومعاركها الأدبية بين أقطاب متعددة (بين الحداثيين والمحافظين من جهة وبين الحداثيين أنفسهم من جهة أخرى) حين ظهرت مسميات مثل القصيدة الحرة (الشعر الحر ) وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر والشعر المنثور والنثر المشعور ! ولم يستمر على نهجه وأثبت نجاحه كشعر التفعيلة وقد عاد كثير من رموز الحداثة الكبار إليه بعد أن أصبحت قصيدة النثر مطية العاجز وغاب الباقي في ضبابية الرمزية ..
وفي رأي الجحفاني الخاص أن عودة هؤلاء الكبار كان لسبب بسيط جداُ وهي أن قصيدة التفعيلة تلتزم الرتم والايقاع الموسيقي وهو أول شيء يميز الشعر عموما ويجعله شيئا آخر غير النثر ! هذا من جهة وأنها لاقت جمهوراً يستحسنها وقادر على استساغتها من جهة أخرى ..
أكتفي هنا بهذه المداخلة فالحديث ذو شجون معتذراً عن الإطالة ..
مع وعدي بعودة جحفانية تفي القصيدة حقها في نجاح معانيها من عدمه ..
عموما أصفق إعجابا بما كتبت الأخت وسن ...
تحياتي الجحفانية


رد مع اقتباس