( 2 )
كان صبياً , وفي عين مَنْ رآه ذلك اليوم , لم يتجاوز بعد العاشرة من عمره , حين قاد " حَمُود الخير " الناقة " مًسْليَةْ " وعليها جدته " صَادِقًيّةْ " التي ما انقطعت تُحذّرهم من هجر واديهم في ذلك الصباح , وتصرخ بهم أن يظلّوا في بيوتهم , لكنهم لم يستمعوا إليها , فخفّوا للخروج من سهول قراهم , تجنّباً من مواجهة الأغراب المغيرين على مرام لا يعرفه أحد .
أضحت قرى وادي " اَلحُسَيْنِي " جرداء من أقدام الأطفال الذين اصطفّوا سيراً في قافلة النازحين , وخالية من جرار الفتيات على الآبار , ونقيت السماء من دخان التنانير الذي يتلبّد عالياً عند كلّ فجر , وغابت أصوات المواشي حين يُسرّحها الرعاة للمراعي وعثّة سيرها المتطايرة في الطرقات , فخوت القرى تماماً من تباشير حياة القوم في ذلك اليوم الفصل .
والناقة " مِسْلِيَةْ " تتصدّر المسيرة , كانت الجموع تتدافع بمحاذاة الوادي شرقاً , حيث يستقرّون إلى حين , فحرص الفتيان والفتيات على تقاطر المواشي والدواب في مسلك واحد يتأخّر عن المتقدّمين ممّن طعنوا في السن من الأهالي , وهناك من النساء من تحمل صغار الضأن والماعز المولودة حديثاً لتتيسّر حركة الجموع , إذ يلزمهم ألاّ تَحْمَرّ أحْباط الجبال بالشفق إلاّ وهم في حلّ من أحمالهم وناصبي أساسات خدورهم تحت تلك الجبال , حيث يتعيّن عليهم ذلك , فلا يُعيقهم عن مبتغاهم شيء , وظهر في المؤخّرة جمل ضخم قيّدوا عليه " علي هبّاش " وهو يُنادي في بكاء طويل رفاقه الراحلين , واليوم يقتاده القوم كدابّة حرون انصياعاً لأمر الشيخ , فما كان لهم من بدّ غير ذلك , لأنّه رجل كبير وأعمى ويُقسم ألاّ يخرج من القرية , وأن يُواجه أُولئك القوم , فيٌمزّقهم بأسنانه , إن منعه ظلام عينيه من نخر صفوفهم العتيدة بالرصاص , كان يشتدّ غضباً كلّما نزلوا في سيرهم من مرتفعات يحسّها تفصلهم عن " عُصَيْرَةْ " , أو كلّما مالوا إلى منحدرات يعلم أماكنها , وكان يقيس قدر المسافة التي يتجاوزونها من خلال عدد التلال التي يصعدها جملة أو من خلال برك المياه الآسنة التي يقطعونها ويعرفها هو واحدةً واحدة .
كان إلى جوار الناقة " مِسْليَةْ " يسير جمل يحمل " بنت الخَبْتي " الشهيرة بـ " فاطمةْ " وكانت تربط إلى جسدها أخاها " بن شامي " الساكن في حضنها كطفل ودود لا يُقدم على أيّ حركة , متشبّثاً ببندقيته " شَارِقْ " وكان " بن شامي " كلّما تقدموا في المسير سأل أخته : ( فاطمة .. عسى في شَارقْ رصاص ؟ ) , منذ سنوات وهو يسأل السؤال ذاته وتردّ عليه بالإيجاب , ثم تطلب منه أن يُوفّر رصاصة لمنازلة ذوي عاشقاته , هذا رغم أنها لم تضع له رصاصة واحدة منذ أن فقد قدرة التمييز ووهنت قواه قبل سنوات نتيجة حرب شعواء مع سيل كاد أن يجرف بعض مواشيه , فصارع الأمواج وتلقّى على رأسه عدّة ضربات أودت بجلّ ذاكرته , وكانت من خلفهما " عَلِيّةْ هادي " تذود بقرة شغوفاً بملاحقة جمل " فاطمةْ " التي زيادة على إمساك " بن شامي " في حضنها , كانت تُردف خلفها " بَوْ " من جلد لبن البقرة النافق قبل أسبوع , محشوّاً بالقشّ , وأقاموه جوار البقرة لئلاّ تنحل بفقد وليدها فيقلّ درّها بالحليب , وعند خروجهم صباحاً , اضطرّوا لحمله معهم لكيلا تُحجم البقرة عن المسير .
كان " علي هبّاش " لا يتوقّف عن النحيب والصراخ , وإذا وصل " بن شامي " شيء من ذلك الصراخ الفاجع سأل : ( فاطمةْ .. ما يقدر الهبّاش يسري يبايت معي ؟ اسألوه إن كان يقدر يسري ؟ ) ويسأل " فاطمةْ " إن كان بإمكان " الهبّاش " أن يشاركه مبيته مع الصبايا العاشقات , ويسألها بصيغة الجمع كما هي عادته , فالجميع لديه " فاطمةْ " , حيث لا أحد يقترب منه , سواء كان رجلاً أو امرأة , إلاّ إذا بيّن الداني إليه أنّه " فاطمةْ " , وإذا لم يُصرّح أي شخص يقترب منه بذلك الاسم تحديداً , فعلى الفور يتلمّس " بن شامي " جسده بطريقة مستفزّة , إذ يضع يده في حجر ذلك الشخص , فإن كانت امرأة زاد في ملامستها وملاطفتها , وإن كان رجلاً بصق عليه , لذلك ما كان لأحد أن يجرؤ على الاقتراب من سرير نومه دون أن ينتحل شخص " فاطمةْ " ثم يصمت .
ودون أن يصل " الهبّاش " سؤال " بن شامي " , أجابته " عَلِيّةْ " وفي مداعبة لا يعيها : ( الهبّاش يقول هو محتزب لليل طويل .. واَنت ؟ ) , وعندما سمع أنّ صاحبه مستعدّ بسلاحه لخوض كلّ لياليه مع الفتيات , ردّ متسائلاً " ( يا فاطمةْ .. في شَارِقْ رصاص ؟ قولوا لي ؟ ) , فعادت أخته تشده إلى حضنها لتُصلح من جلسته معها على الجمل , وعلّقت بأنّ بندقيّّته جاهزة لكلّ الليالي فهي محشوّة بالرصاص حتّى العنق , ولكن عليه الانتظار إلى أن يصلوا لنزل عاشقاته , ثم نظرت لـ " عَلِيّةْ " نظرة ناهرة للتوقّف عن إثارته بمداعباتها التي لا تتوقّف حتّى في ظرفهم الحرج ذاك . وعاد " بن شامي " يُؤَكّد لها : ( أنا قادر عليهم .. بس شَارِقْ في نحر اَمْنَبّاش ... ) , فتحوّل بها إلى شجاعته من دون البندقيّة التي يحتزب بها طيلة حياته ومماته , لتكون في نحر " النبّاش " , ذلك المارد الذي التقاه قبل ثلاثين عاماً في وادٍ سحيق , وقال له " يا بن شامي حِلّيلْتِي بك وبعيالك ) , فهو لن يكون حليلاً لذلك المارد الذي توعّده بأن ينبش قبره وقبر كلّ من يتسلسل من ذريّته , إذا لم يقدح " شَارِقْ " كلّ حين بالرصاص , و" فاطِمَةْ " وحدها هي من تُبقيه على هذا المحمل من الانتباه والحرص , كما يؤمن دوماً .


رد مع اقتباس