تابع ( 4 )
عطّلت حواسها عن السؤال , وكأنّها تثير انتباههم للاهتمام بما ستقوله , أخذت بعصاها من طرفها ولوّحت بها في الهواء كمن يُحذّر من شيء , وبعيداً عن أيّ ملمح لإجابة عن سؤاله , قالت : ( أنتم مقدمين على زمن ما عادوه لكم .. صحيح أنّ هاذُولا ما اَجوْا يحاربون مثل ما تحسبونهم .. لكنهم اَجوْا بشرع غَيْر .. حياتنا شَا تِتْغيّر كثير فعينكم بعيالكم لأنّهم بعد زمن يُهجّون مشايم ويخَلّون بلادهم .. يُهجّون ورا دولةْ .. يطاردون ورق .. ويمكن الواحد فيهم ينسى أهله وأرضه وحياته هَاهِنا كلّها .. هذا الشّام ما عادُه زي زمان .. فيه دولة جديدة .. وشرع جديد يحكم ظِهار باسلة وبعيدة .. واللّي مَرّروا هم عسكر لهذيك الدولة .. يصلون حتّى زَبِيد ... ) .
وكأنّ في مسامعهم وقراً بعد حديث الأمّ التي توقّفت لتقرأ في صمتهم خشية عارمة ممّا قالته , ولم يُحرّك واحد فيهم ساكناَ , وكاد وجيب قلوبهم أن يُسيطر على مجلسهم الهلع ممّا سمعوا , فلم يخطر ببالهم أن تسير الأمور إلى هذه الدرجة من الخطورة التي تُهدّدهم وتُهدّد أولادهم , وتقضي على ذخيرتهم في هذه الحياة , ولم يُمعنوا جيّداً في واقع كهذا من قبل , أو أنّ زمناً كهذا سيُدركهم , فهم لم يتعوّدوا مثل هذه الأحداث المثيرة , حيث ذكرت أنّ هناك دولة قائمة تجوب أراضي كثيرة ويصل شأن قوّتها حتّى مدينة " زَبِيد " اليمنية , وهذه القوّة ستفني مقدّراتهم من سلطة لها شرعيّتها , والأدهى أنّ هذا الحكم سيستقطب أبناءهم للشمال !
لُجموا بحديث الأمّ عن هذه القوّات وعن الحكم الجديد الذي سيستشري مروراً ببلادهم , ولا يعلمون أي مستقبل ينتظرهم في خضمّ هذه الواقعة الجلل!!
جمع الشيخ لعابه وقذفه خلف مجلسه , رافضاً هذه الأفكار التي ذكرتها الأمّ , مع أنّه يعلم تماماً قدرتها على كشف ما يجهلونه , وهذه المرّة بثّت مرارة لا تُحتمل , فكيف سيرضون بهذه الإهانة , وأيّ قدر ضرير يحلّ بهم !
تهدّج صوته في وجهها وكأنّه يسألها تبديل حديثها بقول أكثر تفاؤلاً ممّا هو عليه الآن , إذ كان قولاً يشوي لحى الرجال ويصفع النساء , يتغلغل في أرواحهم بفجيعة مهولة .
لا يعرفون من الشمال غير " مَكّة " التي يُيمّمونها مرّة واحدة في العمر لأداء الحجّ , ولا يرحل الواحد منهم أبداً غير تلك الرحلة الشاقّة التي تستغرق شهوراً عسيرة , فكيف سيعيشون زمناً فيه أولادهم يٌغادرون بذلك الاتجاه , وبعضهم قد لا يعود ؟!
يُفكّرون جميعهم في المعضلة ذاتها , هذا السفر الذي سيغدون فريسته المواتية , رغم أنّه لم يكن مخيفاً من قبل , فلديهم مقولة عريقة يُكرّرونها دائما عندما يُناقشون أمراً يتعلّق بسفر أحد أولادهم , تلك المقولة التي صرخ بها " الهبّاش " ـ عند نهاية حديث الأمّ ـ غاضباً " ( ولدك إذا وجّه مشايم خَلّّه , وإذا وجّه مِيَمّن أمسُكُه ) , فذكّرهم بأمر الموافقة على سفر أحد الأولاد من عدمها , فلو كان هذا الابن سيتوجّه شمالاً فعلى أهله أن يخلوا سبيله , لأنه سيجد الجوع ويضطرّ للإياب نحوهم , أمّا إذا كان سيُسافر جنوباً , باتجاه اليمن تحديداً , فحينئذ تتعذّر الموافقة , خوفاً من عدم رجوعه , فاليمن مشهور بالخيرات وقد تمنعه النعم من العودة للبلاد ولأهله الذين سيخسرونه عضداً يُجابه معهم ويلات الحياة . لذا كيف لهم أن يعتقدوا الآن أنّ الشمال بقحطه وموته سيأخذ فلذاتهم بدلاً من اليمن ؟ وهذا ما أشعله " الهبّاش " في قلوبهم الساكنة إلى صبر ممضّ , حين عاد متعجّباً والحسرة تنبش أظافرها في قلبه , وسائلاً الأمّ ( عسى الزمن اَنقَلَب يا صَادِقِيّةْ ؟!) .
هذا السؤال أضمره كلّ قلب حضر حديث الأمّ , والشيخ كان في مركب خشن وأسبابه كثيرة , أهمّها سلامة رعيّته , ولم يكترث كثيراً بفكرتهم تلك التي أثارها أكثر من شخص في استفسارات متلاحقة يودّون من الأمّ الإجابة الشافية عنها .
وفي معرض الأحاديث تنهّدت الأمّ طويلاً , بآهتها المعروفة " ( إِيييييييييييهأ ...) , ليحلّ الصمت مجدّداً , وتشقّ عليهم هذه البادرة للخوف , فلا تٌقدم الأمّ على تنهيدتها تلك إلاّ لرعب يتسلّقها , ولم يفتق الترقّب منهم شيئاً حتّى قالت : ( الرجال يموتون .. ما يبقى اِلاّ النساءْ ) .


رد مع اقتباس