مقال عن الرواية في صحيفة الوطن
.............................. ......

لخميس 5 جمادى الأولى 1430 ـ 30 أبريل 2009 العدد 3135 ـ السنة التاسعة

كتاب اليوم

محمد حسن علوان
ساق الغراب
نُشرت رواية (ساق الغراب) العام الماضي للروائي السعودي (يحيى آمقاسم) عن دار الآداب اللبنانية، وما زالت تحقق رواجاً على مستوى نخبوي باعتبارها واحدة من الروايات النادرة التي تؤرخ لحقب تكاد تندثر من تاريخ الجزيرة العربية. وبينما ننتظر رواجها الشعبي غير المتوقع بحكم افتقادها لكثير من محفزات الجدل الاجتماعي، وجب على قارئها أن يلتفت إلى قيم ثقافية تحاول الرواية توثيقها بإمعان من أجل تجذير ما بدأ يندثر فعلاً من تاريخية وجغرافية قرى تهامة وجيزان. الرواية تتناول مجتمع وادي (الحسيني) في بدايات دخول الحكم السعودي للمنطقة، في وصفة حكائية وفانتازية محبوكة بعناية لتسمح للتاريخ أن ينعتق من قوالب التوثيق والتأويل، ويعود إلى الحياة بجسد حي يتحدث عن نفسه ويتماهى مع تدفق الزمن بحرية. وبعيداً عن الجوانب الفنية في العمل، والتي لا بد أن ينصرف إليها جهد النقاد الثقافيين والأدبيين على حد سواء، تفتح الرواية أبواباً من الأسئلة ظلت طويلاً إما منسية في رتم التغيير السريع الذي لا يمنح الإنسان الوقت الذي يحتاجه للتشبع بثقافة المكان وامتصاص انبعاثاته الحضارية ببطء، أو مغلقة بأقفال رقابية متوجسة تعتقد أن كل ما يناكف السياسة المعاصرة يشتمل على خطر ما، أو أنها عوّلت كثيراً على الناقل الشعبي في إبقاء التراث قيد التداول، وهو الأمر الذي صار مشكوكاً فيه مع تهدل الذاكرة وانقطاع الجذور نتيجة التسارع الحضاري.
ذكرت كتب التاريخ أن الحكم السعودي للجزيرة العربية جاء على قدمين من الحرب والسلم حتى تحققت له هذه الوحدة السياسية التي نعيشها اليوم، هذه الحقيقة التاريخية المتداولة رسمياً تعني أن هناك، على أرض الجزيرة العربية، من كان يتوجّس من الحكم الجديد، ويمعن في تفسيره أيديولجياً وثقافياً واجتماعياً بتفسيرات لا ترحب بهذا التغيير السياسي والاجتماعي الكبير، ووادي الحسيني كان في قلب هذه المعادلة التي عاشتها مجتمعات عديدة في الجزيرة العربية قبل مئة سنة، وكلها طرحت على نفسها ذات الأسئلة المخيفة المتشككة، وكلها انتهى إلى إجابات مختلفة. رواية (ساق الغراب) تعيد تذكيرنا بهذه الأسئلة وإجاباتها، في اشتغال حيّ وكثيف لإعادة حياكة المناخ العام الذي تطورت فيه هذه الأسئلة، والمخاض الاجتماعي/السياسي الذي طرح الإجابات، وذلك حتى لا يجيء الطرح مباشراً والتوثيق مبتسراً وجافاً مثل المنهج الدراسي أو حتى العريضة السياسية التاريخية.
الحروب التي خاضها الملك المؤسس إذن أثناء توحيده البلاد دليلٌ على أن هناك من قال (لا) لحركة التوحيد، مثلما أن هناك من قال (نعم) في بداية ذلك الرهان التاريخي على أحداث لا يعرف كيف ستنتهي، ودول لا يدرى أين ستستقر. وهذا سلوك سياسي وثقافي واجتماعي متوقع جداً من كل مجتمعات الأرض عندما تواجَه فجأة بتغير مفاجئ في موازين القوى السياسية، وتدخل في تشعبات الانتقال من سلطة القبيلة ونظامها الداخلي، إلى سلطة الدولة التي تأتي بنظامها معها. وأهالي قرى وادي الحسيني، بحكم بعدها الجغرافي عن المنطقة الوسطى التي تشكلت فيها حركة التوحيد الأولى، واختلافها الثقافي باختلاف مشارب القوم وموروثاتهم، كانت من القرى التي توجست طويلاً من ذلك العهد الجديد، مما يجعلها واحدة من أفضل الأمثلة لدراسة ظروف تناوب العهود السياسية وتبدل الأنظمة السيادية وتغير النظام الداخلي في مجتمع متجانس. وهي بذلك مصدر مثر لكل باحثٍ في علم النفس الاجتماعي، وأحسب مؤلف هذا العمل (يحيى آمقاسم)، وإن لم يكن متخصصاً فيه، أنه يملك بالتأكيد الكثير من أدواته التحليلية الدقيقة، لاسيما وهو ابن وادي الحسيني الذي لم يسعفه عمره الشاب بالوقوف شاهداً على ما كتبه بيده، بينما أسعفته قراءته السوسيولوجية المعمقة لحراك المكان تاريخياً وثقافياً في الخروج بعمل تاريخي (مخيف) كما وصفته نخب نقدية قديرة.
ووصف العمل بالمخيف يحمل دلالات متنوعة، فهو من ناحية فنية يزرع قارئه في منتصف الوادي تماماً، ويحمله بمشاعر الخوف والحمية والتوجس والغضب التي شاعت في تلك المرحلة العصيبة من تاريخ الوادي، وهو من ناحية أخرى عملٌ يسهل تأويله ضمن مشروعٍ ذميمٍ يحوله من وصف تاريخي فني أمين لحراك مجتمعيّ إلى احتجاج مبطن على تغير الأحوال وانصراف الأمور إلى غير ما ترغبه قيادات القرية. إنهما مستويان من الخوف يتواردان على ذهن القارئ ما بين البحث الاجتماعي في مآل الوادي، والتأويل السياسي في مآرب الرواية، وبقدر ما تغيب الأولى أو تنحصر في نخب قرائية ضيقة، تنتشر الثانية وتجد لها دائماً من يتقن وضعها في السياق المختلق.
الرواية (مخيفة) إذن، مقروءة أو منقولة. إلا أن رأيي هو أن النقاد والباحثين قادرون أكثر من غيرهم على إجلاء هذا الخوف، وموضعة العمل في مكانه الفني والتاريخي المعتبر، باعتباره الرواية السعودية الوحيدة التي تناولت هذه المنطقة المختبئة بين الجبال في تلك الحقبة التي غفل عنها المؤرخون، دون أن يخلّ، حسب رأيي، بالشرط الفني والاجتماعي والتاريخي، وحريٌّ بالعمل الذي استغرقت كتابته سبع سنوات كاملة أن لا يخلّ بأي منها فعلاً.

http://www.alwatan.com.sa/news/نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعيite...10939&Rname=27