هذا أنا ...


كنتُ كائناً يحسبه النصف الأول من المجتمع، لطيفاً أليفاً، إلى حدّ تمنّي اقتنائه في المنزل! ويحسبه النصف الآخر، مَريداً عنيداً، إلى حدّ خشيته واجتنابه، والسخط عليه ماأمكن!


وكنتُ ممن يرفض الانتماء لأحد، أو السكون تحت جناحٍ واحد.. ذلك أن أحداً لم يعرف كيف تكونُ الانتماءات !


كنتُ ممن لايمكن لأحد أن يتّهمُه بأنه مُسلٍ، أو قابلاً للمسامرة، أو قادراً على المواساة.. لكنه كـ دفتر ستكتب عليه ماتشاء، ستتساءل وتجيب نفسك.. لن يُفيدك كثيراً.. لكنك ستطالع غلافه حين تنتهي، وتتنهد في شيءٍ من راحة.. ستقول لي أن هناك دفاتر كثيرة في المكتبات وسأوافقك على الفور.. نعم أنا دفتر لكني لستُ للبيع !


وكنتُ ممن يكاد على استعداد لأن يُراهق، لمجرّد أنه لمح فتنةً تمشي على قدمين! ويكاد يدوخ أيضاً.. تماماً كما يحدث في الأفلام الساخرة، لكنه لايضحك على نفسه.. (يكاد) لولا قاعدته المُكابرة التي تقول (الجمال ليس كل شيء) تعيده إلى رشده.. إن كان لأحد رُشد أصلاً!


كنتُ ممن يكره الطيبين.. ويكره كل من يتهدّج صوته.. وكل من يحزن بسهولة.. ومن يبكي.. ومن يمرض.. ومن يتركني أقلق.. وكل من يجعلني أُحبُّه !!


وكنتُ ممن تنهش المخاوف على غيره قلبه.. ليس لأنه حنون -استغفر الله!- ولكنها نشوة أن القلق قد لايكن ذو داع! فتجده يبحلق في الظلام ويتأكد من أن صدور إخوته تعلو وتهبط.. وبهذا ينام بسلام..


كنتُ ممن يمشي في الشارع ويحسب أن المارّة يعرفونه هو بالذات.. الكاتب إياه في المنتدى.. سيشيرون إليه ويصرخون، وقد يطلبون التوقيع الذي لن يعني شيئاً أو أحداً سواهم.. لن يعنيهم هم أنفسهم بعد مرور عام..


وكنتُ ممن لاينظر إلى شيء.. المدى أمامه كتلة هائلة من الفراغ.. من الأشياء التي لاتبدو كأشياء..


كنتُ ممن تحرقُ الغيرة (على) دماغه، فلا تعجَب إن شممتَ رائحة شواء.. تصيبهُ بالحمّى.. تجعل منه مسرحاً لألعابٍ ناريّة.. لمفرقعاتٍ وصواريخ! وكانت مع ذلك ترتسم أعتى ملامح البرود على وجهه.. أو هكذا يظنّ هو !


وكنتُ ممن يغيب ليترك مجالاً لصندوق بريده أن يمتليء! ويعود فلا يجد سوى باباً يتأرجحُ من خلفه الفراغ!


كنتُ ممن لايحزن حين يغادر أحداً.. ربما لأن من يستحق حزنه لم يكن ليتركه يغادر..حتى لو اضطر لحبسه في الدولاب!



وكنتُ محطة قطار.. كراسٍ مصفوفة في انتظار.. كثيرٌ من الناس يجلسون إليها .. وينتظرون.. كثيراً كثيراً.. ويرحلون.. وتبقى هي..

في انتظار..