كان مستغرقاً بأفكاره السوداء هذه إلى الحد الذي منع الزمور القصير المتكرر من النفاذ إلى وعيه،فقط بعد المرة الرابعة أو الخامسة،التي امتدت بالطول أكثر،سمع جوناثان ورفع رأسه ورأى فعلاً سيارة السيد رولدز السوداء عن البوابة! ورأي السيد رولدز يضغط على الزمور بيد ويلوح بالأخرى كما لو أنه ينتظر منذ دقائق...عند البوابة! سيارة السيد رولدز ! لم يسبق اه أبداً أن غفل عنها وهي تقترب،لم يكن في العادة بحاجة لن يراها تقترب،كان يشعر بقدومها،يدرك أنها تقترب من فحيح المحرك.كان يمكنه النوم والاستيقاظ كما يفعل الكلب حين تقترب سيارة السيد رولدز.
انتفض جوناثان واقفاً وهرع باتجاه البوابة بسرعة كاد يفقد معها توازنه ويقع أرضاً،أزاح البوابة وفتحها،أدى التحية،وتنحى ليدعها تمر.كان يشعر بقلبه يخفق بشدة وبيده ترتجف بعنف على مقدمة قبعته .
حين اقفل البوابة ورجع إلى بوابة البنك الرئيسية كان غارقاً بعرقه :- لقد غفلت عن وصول سيارة السيد رولدز!- تمتم بصوت مرتجف مؤنباً نفسه، ثم قالها ثانية وكانه لا يصدق ما يقول_ لقد غفلت عن وصول سيارة السيد رولدز...لم ترها! أخفقت وأهملت واجباتك الوظيفية باستهتار، إنك لست أعمىّ فقط، بل أطرش أيضاً..وإنك أخرق وعجوز ولا تصلح بعد الآن لأن تكون حارساً.
كان خلال هذا الوقت قد عاد إلى مدخل البنك ووقف على الدرجة الرخامية الأولى محاولً اتخاد وضعية الحراسة المعتادة،لكنه شعر بالإحباط فوراً، فهو لم يعد قادراً على الانتصاب في وقفته بشكل معتاد،وراحت ذراعاه تتدليان بشكل متعب على جانبيه،كان يدرك أن مظهره في هذه اللحظة يبدو مثيراً للسخرية ،ولم يكن يدري كيف سيتمكن من تحسينه.بقنوط صامت أخد جوناثان يجول بنظره بين الرصيف والشارع المقهى على الطرف الآخر.لقد زالت الغشاوة عن عينيه وأخذت الأشكال تسترجع ملامحها المعتادة، والخطوط استقامتها،واسترجع الكون وضوحه.بات يستطيع سماع ضجيج الشارع،وفحيح أبواب الحافلات وهي تفتح وتغلق، وأصوات النُدُل في المقهى،ووقع كعوب أحذية النسوة على الرصيف.ما عاد يعاني من أي ضعف في قدراته على الرؤية أو السمع،لكن العرق
ما يزال يتصبب بغزارة من جبهته وما يزال يشعر بضعف عام في جسده،فاستدار إلى الخلف وصعد إلى الدرجة الثانية،ثم الثالثة.استقر في الظل قريباً من الدعامة بجانب البوابة الزجاجية المسلحة الخارجية،شبك يديه خلف ظهره بحيث تلامسان الدعامة واستند عليها برفق-إنه يفعل هذا لأول مرة منذ ثلاثين عاماً وهي مدة خدمته في البنك – ثم أغلق عينيه ثوان وهو يستشعر عاراً كبيراً داخله.
أثناء استراحة الغداء،قام بجلب حقيبته ومعطفه من غرفة الملابس وتوجه إلى شارع سانت بلاسيد القريب،حيث يوجد فندق صغير كانت أكثرية نزلائه من الطلاب والعمال الأجانب،وطلب استئجار أرخص غرفة فيه.عُرضت عليه واحدة بأجر يومي قدره خمسة وخمسون فرنكاً،قَبِل بها دون أن يراها ودفع أجرها مقدماً،ثم ترك أغراضه لدى موظف الاستقبال وخرج.اشترى فطيرتي زبيب وعلبة حليب من كشك على الشارع،وذهب باتجاه ساحة بوسيكو،وهي حديقة صغيرة بالقرب من متجر (بون مارشيه) ،حيث جلس على مقعد في الظل، وبدأ يتناول غداءه.
على بعد مقعدين منه كان هناك متشرد يجلس القرفصاء فوق المقعد واضعاً زجاجة نبيذ بين فخديه،ممسكاً بقطعة خبز أبيض بيده،وبجانبه على المقعد وضع علبة سردين مدخن.راح يتناول السردينة بعد الأخرى ممسكاً بها من ذيلها،ثم يرفعها إلى فمه ليقضم رأسها ويتفه على الأرض ثم يلتهم ما بقى منها دفعة واحدة.يقضم قطعة خبز ويتجرع جرعة كبيرة من الخمر بعدها،ثم يطلق تنهيدة راضية ... إن جوناثان يعرف هذا الرجل .كان يراه في الشتاء يجلس دائما عند مدخل مستودع المتجر على الشبك الحديدي الذي يوجد فوق قبو ماكينات التدفئة،أما في الصيف فيتواجد أمام المحلات التجارية في شارع دوسيفر،أو قبالة بوابة منظمة العناية بالأجانب،أو عند مكتب البريد.إنه يعيش منذ عقود في هذه المنطقة،تماماً مثل جوناثان،ولقد تذكر جوناثان أنه قبل وقت طويل، قبل حوالي الثلاثين عاماً،حين رأى هذا الرجل لأول مرة، تملكه شعور غاضب من الغيرة، الغيرة من الحياة الخالية من الهموم التي يحياها هذا الرجل.فبينما على جوناثان الحضور إلى موقع عمله في تمام الساعة الثامنة والنصف، كان المتشرد يظهر في الساعة العاشرة والنصف أو الحادية عشرة، وبينما على جوناثان الوقوف منتصب القامة مشدود الذراعين إلى أسفل، يسترخي هذا على قطعة كرتون ويدخن، وبينما جوناثان يقضي الساعة بعد الساعة، واليوم بعد اليوم، مخاطراً بحياته وهو يحرس البنك ويكسب قوته بمرارة من هذا العمل، كان هذا الشخص لا يفعل أي شيء على الإطلاق سوى الاعتماد على شفقة وعطف الآخرين الذين يلقون بالنقود في قلنسوته ! لم يكن يبدو يوما معكر المزاج. حتى في الأيام التي كانت فيها قلنسوته تخلو من أي مال،لم يكن يبدو عليه أنه يعاني أو يخاف أو حتى يمل.دائما تنضح منه ثقة بالنفس ورضى مثيران للغيظ.لقد كان يمثل تجسيداً استفزازياً لجاذبية الحرية وسحرها.



رد مع اقتباس