سمع طرقة، طرقة خفيفة جداً،ثم طرقة أخرى،وثالثة ورابعة،في مكان ما في الأعلى.ثم أصبح الطرق أكثر تناغماً، مثل قرع خفيف على طبل، وأخذ يشتد أكثر فأكثر حتى تحول من قرع طبل إلى هدير هائل قوي تعرف جوناثان فيه على صوت تساقط المطر.
هنا عادت الأشياء إلى ترتيبها السابق،وتعرف جوناثان في تلك البقعة المربعة المضيئة على غطاء فتحة السقف، وتعرف في الضوء الشاحب على الخطوط الرئيسية لغرفة الفندق،المغسلة،الكرسي، الحقيبة والجدران.
أرخى من تشبث أصابع يده العصبي بالفراش،وسحب فخذيه إلى صدره وطوقهما بذراعيه. بقى جالسا في تكوره هذا طويلاً،نصف ساعة على القل،وهو يستمع إلى هدير المطر.
ثم نهض من السرير وارتدى ثيابه.لم يكن بحاجة لأن يشعل الضوء،فهو يستطيع أن يتدبر أمره في ضوء الفجر.أخذ الحقيبة والمعطف والمظلة، وغادر الغرفة.نزل الدرج بهدوء. كان موظف الاستقبال المناوب مازال نائماً.اتجه جوناثان نحوه على رؤوس أصابعه كي لا يوقظه، وضغط ضغطة سريعة على زر تحرير الباب الكهربائي أحدثت ضجة خفيفة ثم انفتح الباب.وخرج إلى الهواء الطلق .
في الشارع تلقفته برودة وضوء الصباح الرمادي الأزرق.كان المطر قد توقف،لكن الماء ما زال يقطر من الأسطحة وينسال عبر المظلات.وعلى الرصيف تشكلت برك صغيرة من الماء.راح جوناثان يهبط شارع دوسيفر . لم يكن هناك أي شخص أو سيارة على مد البصر . كانت الأبنية تقف بصمت وتواضع وبراءة تحرك المشاعر ، وهي تبدو كأن المطر قد غسل عنها قدرها . مظهرها المتباهي وتوعدها.
هناك على الجهة الأخرى.عند قسم المواد الغذائية من متجر بون مارشيه راحت قطة تهرول مسرعة بمحاذاة واجهة العرض، ثم اختفت تحت منصات بيع الخضار الفارغة.إلى اليمين في ساحة بوسيكو كانت أغصان الأشجار تطقطق من ثقل البلل.بدأ شحروران بالتغريد، وصدى تغريدهما يرتد عن واجهات الأبنية متضخماً ليضاعف من حجم السكون المخيم على المدينة.
عَبَر جوناثان شارع دوسيفر وانعطف إلى شارع دوباك كي يذهب إلى بيته.مع كل خطوة يخطوها بنعل حذائه المبلل على الإسفلت المبلل كانت تسمع أصوات كتلك التي يسمعها المرء عندما يمشي في الوحل.إنه كالمشي بقدمين حافيتين، فكر جوناثان، قاصداً بهذا الأصوات،وليس ذلك الشعور الزلِق بالبلل الذي أصاب الحذاء والجوارب. أخذت تتملكه رغبة كبيرة في خلع الحذاء والجوارب والمضي بقدمين حافيتين،لكنه إذا لم يفعلها فلأنه شعر بالكسل، وليس لأنه ظن أن الأمر قد يبدو مستهجناً.إلا أنه بدأ يقفز عن قصد في برك الماء.راح ينط في وسطها،وهو يمشي بشكل متعرج من بركة إلى أخرى، حتى أنه غيّر في إحدى المرات جهة الشارع وعبر إلى الرصيف المقابل لأنه رأى هناك واحدة جميلة بشكل خاص وكبيرة. فقفز فيها وسقط عليها بقدمين مستقيمتي، بعثر ارتطامها الماء وبلل واجهات المحلات والسيارات المتوقفة هناك،كما تبللت أطراف سرواله.لقد شعر بمتعة لذيذة،وتمتع بهذه الحماقة الطفولية وكانه قد استعاد حريته المطلقة.
كان ما زال على ابتهاجه وحبوره حين وصل إلى شارع دولابلانش ودخل البناء،واسرع
الخطا وهو يمر بمحاذاة غرفة السيدة روكار المغلقة ليعبر الفناء الخلفي ويصعد درج الخدمة الضيق.