قالوا عن طيور الأبابيل
إن الذاهب لمكة المكرمة شرفها الله، للعمرة أو الحج يلاحظ وهو يطوف أو يصلي الفجر أو المغرب وجود الطيور الصغيرة التي تطير داخل الحرم المكي وتحوم بأعداد كبيرة فوق الصحن (المساحة المكشوفة حول الكعبة)، وهذه الطيور غالباً ما تكون متواجدة طوال العام وإن كانت تنتقل لبعض الأماكن القريبة أما لبناء أعشاشها أو للبحث عن الحشرات، ويسميها أهل مكة طيور الأبابيل أما في حقيقة الأمر فهي طيور السمام أو السماسم والمفرد منها السمامة.
وكتب التفسير اختلفت في وصف طيور الأبابيل لكنها أبانت أن كلمة الأبابيل هي بمعنى أن الطيور جاءت في جماعات كثيرة يتبع بعضها بعضا.
والسمامة التي في الحرم هي من أصغر أنواع طيور السمام لذلك تسمى بالسمامة الصغيرة Little Swift، واسمها العلمي Apus affinis وهي من الأنواع التي اعتادت على العيش قرب الإنسان وأماكن انتشارها في الجزيرة العربية من جدة ومكة شرفها الله تعالى شمالاً إلى عدن جنوباً، وقد رصدت في الكويت وفي الإمارات لكنها تعتبر جوالة أو طارئة في منطقة شرق الخليج العربي. وتوجد كذلك في جنوب إيران وفي أفريقيا كلها وجنوب شرق آسيا في تايلند وأندونيسيا وسنغافورة والفلبين، ولا تتواجد شمال المناطق المذكورة آنفاً إلا نادراً.
والسمامة الصغيرة طير صغير يبلغ طولها 15سم ولون جسمها أسود رمادي وهناك بياض واضح فوق بداية الذيل وفي الحنجرة تحت المنقار، والذيل قصير لاينقسم إلى قسمين كطائر السنونو، والجناحان دقيقان وطويلان، وأرجلها قصيرة وضعيفة ولها مخالب طويلة ومخلبها الخلفي معكوس وكل ذلك لتستطيع الوقوف على الأسطح الخشنة العمودية، لأن الأسطح العمودية أسهل لها للانطلاق مرة أخرى للطيران في الجو من الأرض المنبسطة وأرجلها ضعيفة لا تستطيع القفز بينما أجنحتها طويلة سوف تضرب الأرض إذا أرادت الطيران مرة أخرى، لذلك فهي لا تحط على الأرض أبداً.
وقد جاء في كتاب لسان العرب لابن منظور (ت 711 هـ):
والسَّمام، بالفتح: ضَرْب من الطير نحو السُّمانى، واحدته سَمامَة.
وفي (التهذيب): ضرب من الطير دون القَطَا في الخِلْقَة.
وفي (الصحاح): ضرب من الطير والناقة السريعة أَيضاً؛ عن أَبي زيد؛ وأَنشد ابن بري شاهداً على الناقة السريعة:
سَمام نَجَتْ منها المَهارَى، وغُودِرَتْ أَراحِيبُها والمَاطِلِيُّ الهَمَلَّعُ
وقولهم في المثَل: كلَّفْتَني بَيْضَ السَّماسِم؛ فسرَّه فقال: السَّماسِمُ طير يُشْبه الخُطَّاف، ولم يذكر لها واحداً.
قال اللحياني: يقال في مثَل إِذا سُئل الرجل ما لا يَجِد وما لا يكون: كلَّفْتني سَلَى جَمَلٍ، وكلفتني بَيْضَ السَّماسِم، وكلفتني بيض الأَنُوق؛ قال: السَّماسِم طير مثل الخَطاطيف لا يُقْدَر لها على بيض.
وجاء في كتاب مجمع الأمثال للميداني ( ت 512 هـ):
"كلَّفْتَنِي بَيْضَ السَّمامِ"
هي جمع سَمَامة، ضَرْب من الطير مثل الخطاف لا يُقْدَر على بيضه، ويروى "بيض السماسم" وهي جمع السمسمة، وهي النملة الحمراء.
وجاء في تفسير القرطبي:
"وأرسل عليهم طيرا أبابيل"
قال سعيد بن جبير: كانت طيرا من السماء لم ير قبلها، ولا بعدها مثلها. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنها طير بين السماء والأرض تعشش وتفرخ). وعن ابن عباس: كانت لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب وقال عكرمة: كانت طيرا خضرا، خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع. ولم تر قبل ذلك ولا بعده. وقالت عائشة رضي الله عنها: هي أشبه شيء بالخطاطيف. وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط، حمراء وسوداء ,
وعن سعيد بن جبير أيضا: هي طير خضر لها مناقير صفر. وقيل: كانت بيضا. وقال محمد بن كعب: هي طير سود بحرية، في مناقيرها وأظفارها الحجارة. وقيل: إنها العنقاء المُغرِب التي تضرب بها الأمثال؛؛ قال عكرمة: "أبابيل" أي مجتمعة. وقيل: متتابعة، بعضها في إثر بعض؛ قال ابن عباس ومجاهد.
وقيل مختلفة متفرقة، تجيء من كل ناحية من ها هنا وها هنا؛ قال ابن مسعود وابن زيد والأخفش. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام. يقال: فلان يؤبل على فلان؛ أي يعظم عليه ويكثر؛ وهو مشتق من الإبل. واختلف في واحد (أبابيل)؛ فقال الجوهري: قال الأخفش يقال: جاءت إبلك أبابيل؛ أي فرقا، وطيرا أبابيل. قال: وهذا يجيء في معنى التكثير، وهو من الجمع الذي لا واحد له. وقال بعضهم: واحده أبول. مثل عجول.
وقال الدميري في كتابه حياة الحيوان عند الحديث عن طير الأبابيل أنها السنونو وقال وهو الذي يأوي الآن في المسجد الحرام الواحدة سنونة وهو يتحدث عن زمانه حيت توفي سنة 808 هـ، وقال في موضع آخر من كتابه أن السمائم جمع سمامة ضرب من الطير يشبه الخطاف لا يقدر على بيضه، وقيل هو السنونو وهو الطير الأبابيل الذي أرسله الله تعالى على أصحاب الفيل. انتهى كلام الدميري.








