فضيحة المطر

حمود أبو طالب
مخجل ومؤسف ومزعج جداً أن يستمر الحديث عن نفس المشاكل, ليس أياما أو شهورا بل سنوات عديدة وزمنا طويلا. وأكثر من ذلك أنها مشاكل لا تتعلق بمعجزات ولكنها متعلقة بخدمات أساسية ضرورية لا يستطيع الإنسان العيش بدونها ولم تعد مجتمعات العالم, حتى أفقرها تشكو منها كما نشكو نحن. لقد قلت وقال غيري من الكتاب إننا نتحدث عن مشاكل منقرضة لم يعد لها وجود إلا هنا ومن العيب أن يشاهدها العالم في صحافتنا, ولكن ما دام الحال لم يتغير فلا مناص من تحمل المرارة بمعاودة الكتابة عنها, ولا حول و لا قوة إلا بالله..
من يصدق أنه رغم التطور التكنولوجي ورغم مواردنا العالية ودخلنا الوطني العالي حتى في أصعب الأوقات, من يصدق أننا نتحدث منذ عشرات السنين إلى الآن عن مشكلة في الكهرباء, الآن وفي هذا الوقت؟ وقد ضربت مثلا بالكهرباء لأنها - للأسف - هي موضوع حديثي اليوم. كما كانت موضوع حديثي عشرات المرات منذ أن بدأت الكتابة الصحفية.
جازان والكهرباء ثنائي لمشكلة مزمنة عجزت العقول عن الوصول إلى حل لها. إذا جاء الصيف اضطرب نبضها وتوقف, إذا هطل المطر ارتعشت قليلا وتوقفت الحياة في عروقها. وإذا جاءت السيول كشفت أحشاءها ونشرتها في العراء أو طمرتها.
كل عام وكل موسم بل كل شهر تقريبا, المشكلة هي المشكلة والمعاناة هي المعاناة, لا شيء غير الوعود إذا تكرم مسؤول وتجاوب, والحال كما هو منذ ثلاثة عقود أو أكثر.
قبل عامين تقريباً انقطعت الكهرباء لمدة يومين وكان ذلك تصعيدا صارخا للمشكلة المزمنة. حينها استنجدنا بالدكتور غازي القصيبي عندما كان مسؤولا عن الكهرباء وكان تفاعله وتضامنه وتجاوبه رائعا إلى الحد الذي كنت فيه واثقا بأن تلك الحادثة ستكون نهاية المسلسل التراجيدي. لقد بحث المشكلة ووصل إلى جازان ووقف على الوضع وضخ مبلغا ماليا كبيرا لضمان عدم تكراره, ولكن للأسف أحلامنا تذهب دائما أدراج الرياح إذ إننا لم نلمس تحسنا إلى الآن.. أكتب هذه السطور حوالي الثانية من صباح الثلاثاء والكهرباء مقطوعة منذ عصر اليوم الماضي بعد أن أمطرت السماء لساعة أو ساعتين في أماكن متفرقة من المنطقة, ليست فيضانات ولا أعاصير عاتية وإنما مطر لا أكثر، كانت الكهرباء بالغة الحساسية تجاهه منذ اللحظة الأولى. اتصلت ببعض الأصدقاء في أكثر من مدينة وكان حالهم ليس بأحسن من حال المكان الذي أتواجد فيه. حاولنا مرارا الاتصال بأي أحد في شركة الكهرباء ليقول لنا على الأقل متى يمكن أن يعود التيار المتهالك, ولكن لا أحد يجيب إلى هذه اللحظة, ومن سيجبر هذا الأحد على التجاوب مع الناس الذين يتكومون في غرف خانقة تكاد تذوب أجسادهم فيها..
ما الذي تفعله شركة الكهرباء التي لا تجتهد إلا في الفواتير الجائرة؟ ماذا كانت تفعل سابقا ولاحقا؟ أين تذهب الأموال الهائلة التي تستنزفها من الناس؟ من يحاسب المسؤولين فيها كي تتوقف هذه المأساة المخجلة؟؟..
إنني إضافة إلى الحزن أشعر بخجل شديد حين أزور بلدانا تحت حافة الفقر والمطر فيها يهطل ليل نهار دون أن يتوقف التيار الكهربائي لحظة واحدة. وعذرا منك يا بدر شاكر السياب فقد كنت تنشد للمطر, أما نحن فإن المطر يفضحنا إلى حد الخزي.