بأدواته الحرفية ".
رسمت لوحة " الامهات, الأخوات " على مدى خمسة شهور, في النصف الأول من عام 1967 , لكن العمل التحضيري لها كلف الفنان عشرون عاما من عمره تشربت بقلق الابداع ومراقبة نمو الأفكار والشخوص. في فهم الفنان أن حياة كل انسان تبدا بالفتح الامومي للعالم. الفراق عن الام هو أول اختبار لصلابة الانسان ووداع الام لابنها هو أصعب امتحان لمرؤتها. موضوعة وداع الابن / المجند كثيرة التكرار في ابداع مايسنكا في نهاية الستينات, ولكن من الواضح أن الاقتراب من معالجاتها النهائية قد جاء عبر نضج الفنان ذاته ونضج لغته التشكيلية.
قضى الفنان أعوام الصبا قريبا من الأرض مما حدد في حياته الاحقة مجموعة مواضيع لأعمال كثيرة : " أتذكر نفسي طفلا في قرية بيلاروسية نائية – أوفارافيتش - واقفا خلف سور خشبي, وبابتهاج شاهدت قربي فرسان الجيش الأحمر على خيول كساها العرق. لقد بدوا لي كالجبابرة.."
ولد مايسنكا في عام 1916 في قرية " اورافيتش " وهو يكتب عن ذلك اليوم قائلا : "ليلا, وصراخ خشن لطيور قلقة, سماء عظيمة مزدانة بالنجوم, خفيضة, رائحة الأرض, العشب, الصمت, تلك كانت لي اولى دروس الفن.." نشأ الطفل في أحضان أمه – مارينا سرغيفنا – وخاله بروكوفي ناومافيتش.. وبالرغم من الصعاب والبلايا ,كانت طفولته الفلاحية مزدانة. حياة عجيبة وعلاقات سرية مع الطبيعة وأفراح العمل والتربية الجماعية من لدن الناس... راح يعمل في الأرض, استمع الى حكايات خاله عن الحياة, وعرض أولى رسوماته على أمه.
دراسة بالحبر
يقول عن طفولته: " لدى الناس من جيلي .. سيرة غنية ومشبعة بالأحداث. منذ الصبا سمعت في العائلة من خالي بروكوفيتش, حكايات ساطعة عن الحرب الأهلية, عن المشاهد القتالية لذلك الزمن. كنت شاهد عيان على اشاعة التعاونيات في الزراعة. شاهدت في الريف ولادة نظام مجتمع جديد. أما الحرب الوطنية فهي متاع الانطباعات التي لا تنسى والذي يرافقني دائما. من الذاكرة, من الماضي تأتي الموضوعات المحددة وتنشأ رؤيتي للعالم الراهن والماضي.."
في الرابعة عشر من عمره قدم يفسي مايسنكا الى موسكو, وبعزم ثابت, لدراسة الرسم. أول خبرة تلقاها في المدرسة الفنية- الصناعية السماة "كالينين", وبعدها في أكاديمية الفنون لعموم روسيا, وفي مرسم الفنان والمعلم " اوسيركين"
يوم الأحد, الثاني عشر من حزيران 1941 حين كان طالبا في الصف الخامس بلغته أخبار الحرب وأجبرته على العودة الى قريته في بيلاروسيا :
" كان يوما مشمسا, الكولخوزيون عادوا لتوهم من السوق, تعالت أنغام الهرمونيكا, وغنيت التشاستوشكا..." وذكر مايسنكا كيف غيّرت الحرب نساء القرية فجأة. على نداء الوطن وفي اليوم الثاني ذهب الى الجبهة ..واليها ودعته امه وأخواته.
مرت السنين, ومرة بعد اخرى, تطفو على ذاكرته تلك الطريق الترابية والدموع الحارة للنسوة. " الجنرال دفاتور, عام 1947, لوحة التخرج" كانت اولى لوحاته عن الحرب الوطنية. فيها تسبح ذكرياته عن ذلك الزمان المعفّر بالبارود ونكران الذات والفداء السامي. التقشف اللوني الصارم, الملامح الواضحة للأحداث, البناء النفسي للأبطال ونصبتهم هي الخصائص الداخلية التي وحدت أعماله, والتي استمرت وتطورت في أعماله الاحقة. يقول مايسنكا : " في ظروف الحرب حيث كل شيء قصيّ, متوتر, حيث لا يبقى مكان للتفاهات, للمنافع, يتجلى جوهر الانسان, طباعه, وأخلاقيته ورغباته الروحية, وباختصار كل الانسانية تتفتح في الانسان وبامتلاء تام.."
في لوحاته عن الحرب يكشف الفنان حالات وأحاسيس الأبطال الواقفين في الطليعة بمواجه الموت عندما يسيطر على الانسان ادراك حاد لحياته, وهي محاطة بالخطر بعيدا عن الأهل. " ألأرض..ومرة اخرى, ألأرض التي يعيشون عليها والتي تمدهم بالقوة.." هكذا يصف الفنان عظمة أبطاله وأسرار شموخهم.
تخطيط – حبر -
من أجل لوحة " المهات, الأخوات " أنجز الفنان مجموعة كبيرة من دراسة الوجوه "البورتريت" للنساء زمن الحرب, جاعلا منها رموزا للوفاء وموحدا تصوراته عن المرأة والوطن. التجربة الصيفية قبل التخرج قضاها الفنان في قريته. في يوم صيفي بدا فيه بهيأة مهيبة, انه يوما للزفاف. الأنباء عن الحرب كأنها رعود في سماء القرية فجعت كل الناس. يتذكر مايسنكا الوجوه المضطربة لأخيه وخطيبته, الفتيات والممرضات. وجوه مخطوفة, لكنها قادرة أن تضيء الذاكرة من مسافاتها البعيدة. يتذكر شهر العسل الذي قضاه وحيدا في الملابس العسكرية.
في تلك الأيام انبثقت الأفكار الاولى للوحة, وحفرت الأحداث خطوطها الخشنة في قلب الفنان, ولكن ما تحقق في تلك اللحظات استغرق عشرين عاما كي يولد. كانت الدراسات الاولى تدور حول سوق الكلخوز: لوحة متوسطة الحجم تعطي مسحة عامة لحياة السوق. لقاء سكان القرية في بداية الحرب بسحنة رمادية. فيها نساء مع أزواجهن, وصيادو أسماك, وفتيات بملابس العرس البيضاء. لوحة مرقشة لحشد طويل متعدد الألوان يحيط بأحد الباعة....هناك ما يجمع الناس الى بعضهم !!
لقد غدا هذا المناخ شرطا لانشاء اللوحات اللاحقة , و فكرتها المركزية. تميزت التخطيطات الاولى باسترسال لا تقطعه الا حدود اللوحة, بالكاد, فيما أمست في الدراسات المتقدمة أكثر دقة و ملموسية. بدأت تظهر النماذج بخصائصها المتميزة من وسط هذا الحشد الهائل من الشخصيات, الممرضة في الوشاح والملابس البيضاء ذراعاها مسبلتان بارتباك , استقطبت لدى الفنان كل وجدانه الابداعي .
لقد شغل مايسنكا كيف يمكنه اعطاء اللحظة المرة لوقوع الحرب في قريته ؟ وكيف يمكنه استعادتها بعد عشرون عاما ؟ لهذا وجد في شخصية الممرضة, الوجوه الفلاحية, أشكال النسوة القرويات التي تعج في ذاكرته, في فجيعتها وصمتها الدرامي المحكم عثر على خزين لا ينضب لعكس أفكار وأمزجة مئات الناس من ذلك الزمان.
كشف الانفعالات الانسانية العميقة في أوقات الهلع الكبير والمحنة, أصبح هدف الفنان.
ظهرت أولى صيغ " الأمهات, الأخوات " في لوحته الكبيرة ألأولى " عند بوابة الكولخوز " المرسومة في عام 1966, وهي محصلة الدراسات الملونة ألأولى في سوق القرية. احتفظ التكوين وخارطة ألألوان بخصائصها وتغير مبدأ البناء. تغير مكان المركز ففيه بدلا منه حلت مجموعة النساء وهن يسمعن الأنباء من مكبر صوت شد الى عمود كهرباء.
تفترض اللوحة تأملا طويلا, هو انعكاس مباشر لحالة التأمل التي غرقت فيه الشخصيات, فالكل ينصت لخطوات الحرب. اللوحة , ومنذ اللحظة ألأولى, لا تتأخر عن المشاهد في تعريف نفسها : طريق ترابية واسعة, رياح جافة, ومجموعة من النسوة محكمة الرص تقف حول عمود كهرباء يظهرن على خط واحد. أنظارهن تحوم حول جندي ولى ظهره للمشاهد. في الأفق البعيد, على التراب خلفت العجلات آثار واضحة وأكثر وضوحا منها انفعالات الوداع الحية, فعلى الوجوه تعبير لم يفقد طراوته بعد, نظرات غائبة تخفي دموعا, وتبرر حيرة العجائز, أمهات الفلاحين/ الجنود وأخواتهم وزوجاتهم.
يكتب مايسنكا .." أتذكر كيف ودعتني أمي الى الجبهة كجندي عتيد, ورغبت في حينها لو يتجمد كل شيء...في البداية كل شيء كان كبيرا, ومن ثم أخذ يصغر رويدا, رويدا حتى تلاشى. خلف الأفق اختفت النسوة...ومثلما تستوطن ذكراهن في روح الجند, يستوطن الحزن والشجن والآمال.."
عند بوابة الكولخوز – الصيغة الأولى -257/200 سم - المقطع الوسط-
من اجل استعادة تلك اللحظات كرس مايسنكا نفسه. في الطريقة ألأولى " عند بوابة الكولخوز " الشخوص النسائية تطفوا على ذاكرة الفنان وتملأ فضاء اللوحة. تظهر في الخلف قطعة صغيرة من السماء ضبابية اللون تلوذ تحتها مجموعة من البيوت الخشية على أرض مظلمة. على يمين اللوحة, في زاويتها العليا, مجموعة من الخيول الضامرة. أجساد النسوة لا تكاد تتمايز الا ببعض الاشارات اللونية. الأيدي التي لوحتها الشمس, وأطراف المناديل الأرجوانية, والملابس الغامقة المبقعة تستكمل المعالجة اللونية والفكرية لأهم أجزاء اللوحة..بل موضوعها الأساس.
العجوز النحيفة الطويلة ظلت واحدة من الشخصيات المهمة وذات حضوة, فقد استأثرت باهتمام خاص, وجاءت بدون تغيرات في الطرائق الثلاث الأخيرة.
الشيخ الطاعن في السن, في مركز اللوحة, مرسوم من الخلف يحمل غدارته. انه الرجل الوحيد فيها, ربما كان الوحيد في القرية كلها !!.يبدو غريبا بهيأته العسكرية التي تحمل بعض عناصر التمدن. انه اختصار وحل مقتضب لاحدى معضلات اللوحة الفكرية, ولهذا السبب, على ما يبدو, تخلى عنه الفنان في الطرائق الاحقة.
النساء فقط ... وحدهن, موضوع البحث النفسي والجمالي!!
استغرق العمل في الصيغة الأولى " عند بوابة الكلخوز " أكثر من عام, في ثناياها ولدت الحلول التشكيلية التي حكمت اللوحات الثلاث الأخرى..." اللوحة لا تولد كما يجب مباشرة, بل تأتي حلولها التشكيلية تدريجيا بعد عناء طويل يرهق الفنان.." هكذا يرصد مايسنكا نفسه أمام لوحته.
عشرات الدراسات التمهيدية التي كرسها الفنان للموضوعة, والتي احتوت على مئات التخطيطات بالحبر والقلم للشخوص والتفاصيل ودرجات اللون...تكشف جغرافية البحث المترامي الأطراف, بحثا عن امكانات الشكل الانساني على التعبير. يقول الفنان : " في عملي الابداعي ليست هناك أية دراسة تمهيدية يمكن الاعتماد عليها لتكون وحدها صورة.." لكل شخصية من شخوص اللوحة بناؤها الخاص, خصائصها التشكيلية وعالمها الروحي. كل واحدة منهن تحمل مبررات وجودها.. في هذا المكان وبهذا الحجم على سطح اللوحة, وفيهن من الضرورات ما يلجم التاريخ. انه نظام معقد , ولا ريب, محكوم بشروط فلسفية مترابطة تهدي الفنان في نهاية المطاف الى بناء فكري وجمالي لمجموع اللوحة.





رد مع اقتباس