نظريات تفسير نشوء المرض النفسي :
هناك الكثير من النظريات المتعددة في تفسير الأمراض النفسية ، والسبب يعود إلى تعدد تلك المدارس النفسية ، والنظريات النفسية تنقسم إلى ثلاث فئات وهي :
أ ـ الدراسات الأولية 0
ب ـ الدراسات النفسية التحليلية 0
ج ـ الدراسات النفسية غير التحليلية 0
أ ـ الدراسات النفسية الأولية ومنها :
1ـ نظرية كريبلين :
يرى كريبلين أن المرض النفسي ينتج عن مرض دماغي ، فقد اعتمد الاتجاه الطبي والعضوي في تفسير المرض النفسي ، حيث درس مختلف الأمراض النفسية وصنفها وجمعها في فئات مشتركة 0 وقد كان مرض الشلل الجنوبي العام ، نموذجا سار عليه في دراسة تطور المرض النفسي ، وكان يعتقد أن الأمراض النفسية هي الأمراض الدماغية ، لذلك لم يعط اهتماما للعمليات النفسية الداخلية ، كاللاشعور والصراعات في نشوء المرض النفسي ، وكل ما فعله هو التصنيف الدقيق ، والدراسة العلمية في المسببات العضوية 0 وبسبب هذا النقص في نظريته فقد برزت نظرية ( أودلف ماير ) السيكوبيولوجية كرد على النظرية العضوية 0
2ـ نظرية بيرجانيه :
بيرجانيه ( 1859 ــ 1929 ) أحد معاصري فرويد وزملاؤه ، وقد اعتبر بيرجانيه أن التوازن النفسي يصل حدا طبيعيا لدى الإنسان بواسطة مستوى معين من التوتر النفسي 0 وأن السلوك العصابي ينتج عن قلة في الطاقة التي تحافظ على ذلك المستوى من التوتر 0 واعتقد بيرجانيه أن ضعف الطاقة النفسية يضعف من قابلية الفرد ويؤدي إلى عزل بعض الأفكار والخبرات عن الشخصية وعدم انسجامها معها 0 هذه الأفكار والخبرات المنفصلة وغير المتجانسة تبقى خارجة عن الإرادة وعن التنظيم الكلي للشخصية ، فتظهر على شكل أعراض مرضية مثل السير أثناء النوم ، أو الرعشة Tic ، أو فقدان الذاكرة 0
3ـ نظرية بافلوف : ( 1849ــ 1936 )
قام بافلوف بأبحاثه على الجهاز الهضمي وعلاقته بالجهاز العصبي وخرج بنظريته عن المنعكسات الشرطية ، والتي اعتبرت حجر الأساس في التعلم 0 وقد اعتبر أن شخصية الفرد ترتكز على مجموعات كبيرة ومترابطة من المنعكسات الشرطية المبنية أساسا على المنعكسات الأولية الغريزية أو الفطرية 0 وقد سمى المنعكسات الغريزية الأولية جهاز الإشارة الأول First Signaling System 0 أمّا المنعكسات الشرطية المبنية على السابق فسماها الجهاز الإشاري الثاني Second Signaling System 0 ويعتبر بافلوف أن أن القشرة المخية أساس عملية الإشراط وهي التي تتحكم في عملية الاستثارة أو الكف 0 والاستثارة هي الاستجابة للمنبه الشرطي الذي تعلمه الإنسان ، في حين أن الكف هو البطء في الاستجابة أو عدمها 0 وقال بأن ظهور العصاب عند الإنسان هو الصراع بين المؤثرات المنبهة ( الاستثارة ) والمثبطة ( الكف ) ، لأن النشاط النفسي للإنسان السوي هو نتيجة توازن جهازي الإثارة والكف 0 إن عدم التوازن أو الصراع بين الاستثارة والكف يعتمد على العوامل الوراثية للفرد ، والتكوينية للفرد ، لذلك ميز بين أربعة أنواع من التراكيب الشخصية وهي :
1ـ النمط قوي الاستثارة Strong Excitatory ، المندفع الذي يتميز بشدة الاستثارة ، والاندفاع ، والطيش ، وكثرة التسلط ، والعدوانية 0
2ـ النمط المثبط الضعيف Weak Inhibitory أو الخَذول الذي يتميز بضعف النشاط والتطرف والهدوء ، والإكتئاب ، والسكينة ، والخضوع ، والتخاذل 0
3ـ النمط الحيوي Lively ، أو النشط المتزن ، الذي يتميز بالاعتدال مع ظهور النشاط والحركة ، والملل السريع حين لا يوجد ما يشغله ، وهو فعّال ومنتج 0
4ـ النمط الهادئ Calm ، أو الهادئ المتزن الذي يتميز بالقبول والمحافظة والرزانة ، وهو عامل جيد ومنظم 0
وتنشأ الأمراض النفسية للنمط الذي ينتمي إليه الفرد ، وحسب درجة سيطرة جهازي الكف والاستثارة 0 وتكثر الاضطرابات النفسية عند النمطين المتطرفين : القوي الاستثارة ( المندفع ) ، والمثبط الضعيف ( الخذول ) 0 بينما تقل الأمراض النفسية عند النمطين المعتدلين ( الهادئ ، والمتزن ) 0 ويكثر حدوث الهستيريا عند الخذولين المثبطين 0 في حين يكثر حدوث الوهن العصابي ( النفسي ) عند المندفعين ، وذوي الاستثارة العالية 0
ب ـ الدراسات التحليلية ـ النفسية :
هذه النظريات تشترك في المبادئ الأساسية لنظرية فرويد من حيث اعتبار العوامل النفسية الدينامية ( الداخلية ) الأساس في حدوث المرض النفسي 0
وأهم هذه النظريات ما يلي :
1ـ نظرية فرويد :
اعتبر فرويد أن الحياة النفسية ثلاثة مستويات وهي : الشعور وما قبل الشعور واللاشعور وأن اللاشعور يحتوي الكثير من الدوافع والاتجاهات والرغبات المحركة للسلوك بدون وعي أو إرادة من الشخص ، وأن مكونات الشخصية هي : الهو ، والأنا الأعلى ، ويعمل الأنا دوما على ضبط دوافع الهو وفقا للواقع ولقيم الأنا الأعلى 0
وللكبت دور هام في عملية الضبط هذه حيث تمنع رغبات ودوافع غير مقبولة من الظهور في مستوى الشعور وإبعادها دوما إلى اللاشعور ، وخاصة أن أغلبها دوافع جنسية 0 والمرض النفسي يحدث نتيجة الصراع النفسي بين مكونات الشخصية ومحتوياتها ، وخاصة بين دوافع الهو وقيم الأنا الأعلى 0 وكثيرا ما تظهر الأعراض المرضية في مرحلة لاحقة من العمر نتيجة التثبيت Fixation في مرحلة سابقة من النمو لم يستطع الفرد تجاوزها خلال مراحل طفولته ، وخاصة المرحلة الشرجية والقضيبية 0
2ـ نظرية يونغ :
كان يونغ زميلا لفرويد وتلميذا له ثم افترق عنه وأنشأ ما يسمى بعلم النفس التحليلي 0 وملخص نظريته أن مجموع طاقات الحياة أو الليبيدو Libido ، الذي قال عنه فرويد : " إنه طاقة جنسية " ليس جنسيا فقط بل هو ذخيرة كبيرة من غرائز الحياة كلها 0 وأن اللاشعور الذي ذكره فرويد يمتد إلى أعماق أكبر بحيث ينطلق من اللاشعور الفردي أو الشخصي ليلتقي باللاشعور الجمعي العام عند الناس 0 وقد سمى يونغ هذا اللاشعور الجمعي باسم ( اللاشعور السلالي ) الذي يحتوي على ذخيرة البشرية من عادات وتقاليد ، فهي الإرث المشترك الذي يفسر التراث الشعبي والأفكار الخرافية والأساطير 0 وقد قسم يونغ الشخصية إلى نمطين : منبسط ومنطو ، ولكل منهما صفاته 0 وتنشأ الأمراض النفسية والاندفاع والإلحاح في تلك الطباع والصفات التي تميز كل نمط ، ومن مقاومتها ومحاولة تبني لطباع الأخرى 0
3ـ نظرية أدلر :
وهو زميل فرويد الثاني ، وزميل يونغ ، وقد افترق عنهما ، وكوّن ما يعرف باسم علم النفس الفردي 0 وقد اعتبر أدلر أن الطاقة الدافعية والنفسية للإنسان ليست جنسية ، وإنما هي إرادة القوة وحب السيطرة ، وأن الشعور بالنقص يدفع الفرد للتعويض عنه ، وذلك للحصول على القوة والمكانة 0 فإذا استطاع التعويض زال عنه شعوره بالنقص وأصبح التعويض وسيلة دفاعية تعزز الثقة بالنفس وتعيد للشخصية التوازن 0 أما إذا فشل في إيجاد التعويض المناسب فيتحول الشعور بالنقص إلى عقدة النقص Inferiority Complex ، وهي مصدر الأمراض النفسية ، والعصاب خاصة 0 أما مصادر الشعور بالنقص فهي متعددة ، فقد تكون المدرسة أو المنزل أو المجتمع 0
4ـ نظرية إيريك فروم :
اتجه ( فروم ) إلى الدراسات الأنثروبولوجية ، وعلم النفس الاجتماعي للتأكيد على أن الأمراض النفسية خاصة ، والسلوكية عامة لا يمكن فهمها جيدا إلا في ضوء العلوم الاجتماعية ، وقال : " إن ميول البشر ليست غريزية فقط ــ كما قال فرويد ــ بل ميول حياتية نحو الحب والقوة والمكانة " 0 وقال أيضا : " إن الشخصية نوعين : الشخصية المنتجة ( وهي الشخصية الوحيدة الناضجة ) ، والشخصية غير المنتجة ( غير الناضجة ) وتبدو هذه الشخصية بأشكال متنوعة ، فمنها الاستغلالية ، ومنها الكنوزة أو المدخرة ، ومنها الاستهلاكية0 هذه الشخصيات غير الناضجة عرضة للاضطرابات النفسية 0 فيظهر عند الاستغلالية العنف والحيلة للحصول على على ما تريد ، إضافة إلى الغيرة المرضية 0 أما الشخصية المدخرة أو الكنوزة فيغلب عليها القلق والالتزام بالنظام بصرامة والتزمت ، وهي عرضة للوساوس والأفعال القهرية ، في حين يغلب على الشخصية الاستهلاكية التقلب الانفعالي والكآبة 0
ج ـ النظريات النفسية غير التحليلية :
1ـ نظرية أدولف ماير السيكوبيولوجية :
وهو يعتقد أن المرض النفسي لا يمكن تفسيره بعامل واحد كما قال ( كريبلين ) ، بل إنه يعتقد أن هناك عوامل متعددة ومتفاعلة تحدث المرض النفسي ، كالوراثة وفترة الحمل والرضاعة ، والطفولة ، وطرق التربية والخبرات 0
إن السلوك هو نتاج الشخصية كلها ، ولذلك يعتبر كل شخص فرد متميز وعالم بذاته هو رد فعل لمجموعة كل العوامل الصغيرة والكبيرة السابقة الذكر 0 إن المرض النفسي هو فشل الفرد في تقبل طبيعته كما هي ، والعالم الخارجي كما هو 0 أي الفشل في التكيف وعدم الانسجام بين القدرات التي يحملها الفرد وأهدافه وطموحه مما يولد عنده الشعور بالنقص والقلق والعصاب وإن ردود الأفعال الخاطئة على المواقف المتنوعة تتخذ أسلوبا اعتياديا هو المرض النفسي 0 وكل مرض نفسي هو نموذج رد فعل مرضي 0 وهكذا فإن مدرسة أدولف ماير تمزج بين الإنسان ( العضوي البيولوجي ) وبين الإنسان ( النفسي ) وتاريخه الاجتماعي والتربوي ، لكي ينتج عنها إنسان حي فاعل وفريد 0
2ـ نظرية التعلم والسلوكية الحديثة :
تذهب المدرسة باتجاهاتها المتنوعة ( الجذرية والمعرفية ، والتعلم الاجتماعي ) إلى أن المرض النفسي هو سلوك متعلم ويصبح عادة تلازم الفرد خلال حياته 0 وأن الأعراض المرضية يتعلمها الفرد خلال مراحل نموه وتستند هذه النظرية إلى دراسات ( بافلوف ) الإشراطية ، ودراسات ( واطسون ) ، ومن أهم ممثليها هؤلاء : ( دولارد وميلر ، وسكيز ، وأيزنك ) وتقرر هذه المدرسة أن سلوك الفرد هو محصلة لتفاعل العادة مع الدافع ( السلوك = العادة × الدافع ) ، أي استجابة للحافز مضافا إليه اهتمامات الشخص ورغباته ومشاعره 0 والشخص السوي هو الذي تعلم واستجاب بالأسلوب الصحيح ، في حين أن المرض النفسي هو تعلم خاطئ ، أو ( عادة متعلمة سيئة ) ويمكن علاج هذه العادات السلوكية السيئة والخاطئة عن طريق العلاج السلوكي ، وفك الارتباط باعتبار التعلم هو ارتباطات بين المثيرات والاستجابات 0
يقول دولارد وميلر : " إن المرض النفسي وخاصة ( العصاب ) بما فيه من آليات الدفاع والأعراض يتعلمه المريض ، ويتميز العصاب بوجود ( التعاسة ) ، والعصابي يلاحقه الفشل في فهم وحل مشكلاته 0 ويؤدي الخوف إلى خلق الصراع الذي يمنع حدوث الاستجابات التي تساعده في بلوغ الهدف ، وبالتالي يؤدي إلى خفض حوافز أخرى كالجنس والعدوان ، إن الحوافز غير المشبعة تعتبر باعثا على القلق وسوء التكيف والمرض 0
3ـ النظرية الوجودية والظاهرية :
نشأت هذه النظرية في أوروبا بعد أن أكتشف بعض علماء النفس أن المريض لا يمكن فهمه وعلاجه في ضوء التصنيفات والاتجاهات السابقة الذكر ، وقالوا : " إن الفرد الموجود هو ( الموضوع ) وأن الإنسان هو محور الوجود ، ومن أهم أصحاب هذا الاتجاه ( كارل ياسبرز ) و ( رولوماي ) 0 والقلق عندهم ( خوف من الموت ) الذي يهدد الوجود والشعور بالإثم عن ( عدم استطاعة الفرد إنجاز ما يقدر عليه ) ، والاكتئاب هو : شعور بتوقف الزمن الذاتي 0
إن فهم المريض يتطلب معايشته في دنياه هو والسير معه حتى يدرك معنى وجوده 0
ويؤكد أصحاب الاتجاه الوجودي على خمسة مبادئ أساسية في تفسير السلوك المرضي ، والمبادئ هي :
1ـ السياق Context : أي الموقف أو المجال الذي يحدث فيه السلوك في ضوء خبرة الشخص نفسه 0
2ـ الهدف : لأن لكل سلوك سواء سلوك ( سوي أو مرضي ) غاية وهدف ، فهو بمثابة وظيفة Function في حياة الشخص 0
3ـ الدراما الشخصية للعلاقة المتبادلة بين الشخص والآخرين : فكلما كانت هذه العلاقة مضطربة ، كان ذلك دليل الاضطراب النفسي 0
4ـ الأحداث الحاسمة والحرجة التي يمر بها الشخص في ضوء مرحلة نموه 0
5ـ تجسيد السلوك المرضي : وتعبيره عن الشخصية بكاملها ، وبكل مقوماتها 0


رد مع اقتباس