قصيدته في رثاء شيخ الحجازالعالم الجليل السيد محمد علوي المالكي رحمه الله





لم يبـقَ يـومٌ فـي الحجـازِ ولا غـدُ لـم يبـقَ بعـدكَ سيـدٌ يــا سـيـدُ

لـم يبـقَ بعـدك مـن نهـيـمُ بحـبـهِ فالحـبُّ بعـدكَ فـي العـروقِ مجمـد

اليـوم ودَّعـكَ الحجـازُ ومـن بــهِ يـا مـن لـهُ فـي كـلِّ قلـبٍ مرقـد

والشعـرُ بعـدك ميـتٌ .. فقصـائـدٌ مدفـونـةٌ .. وقصـائـدٌ تتـشـهـد

وتوحـدتْ حزنـاً علـيـكَ قلوبُـنـا لولاكَ مـا كـانـتْ هـنـا تتـوحـد

حَمَلَتْـكَ آلافُ الـرقـابِ ورَحـبـتْ بقدومـكَ « المَعْـلاةُ » وهـي تزغـرد

وإلـيـكَ آلافُ القـبـورِ تسابـقـتْ كـلٌّ يقـولُ: أنـا هُنـا يــا سـيـد

كُــلٌ يُـريـدكَ أن تَـمـرَّ ببـابـهِ فهنـا يـدٌ مـمـدودةٌ وهـنـا يــد

حرَّكْـتَ حتـى فـي الجمـادِ دمــاءهُ يـا مـنْ تقـومُ لـهُ القبـورُ وتقـعـد

يـا أيهـا الحـيُ الـذي تحـتَ الثـرى مــازالَ صـوتُـكَ بينـنـا يـتـردد

مـازلـتَ تأتيـنـا وتجـلـسُ بينـنـا وتقـول: قــال اللهُ قــالَ محـمـد

وكــأنَّ وجـهـكَ ليـلـةٌ قمـريـةٌ الـنـورُ مــن أنـوارهـا يـتـزود

وكـأنَّ قـبـركَ روضــةٌ مخـضـرةٌ فالطـيـنُ درٌ والـتــرابُ زُمـــرد

وثيـابـكَ البيـضـاءُ زادَ بيـاضُـهـا فكأنهـا تـحـتَ الـثـرى تتـجـدد

لـم تـأتِ مـن قبـرٍ ولا مـن حُفـرةٍ مـازالَ فـي عينيـكَ كحـلٌ أســود

هـل أنـتَ حـيٌ لا تـراهُ عيونُـنـا؟ أم ميـتٌ فـي كــلِّ يــومٍ يـولـد

يافـارسـاً مـابـاعَ يـومـاً سيـفـهُ اليـومَ سيفُـكَ عنـدَ رأسـكَ يـرقـد

وسيـوفُ بعـضِ القـومِ إمـا رُكَّــعٌ فـي طاعـةِ الدنيـا وإمــا سُـجَّـد

الخائفـونَ علـى « غنائـم » عِلمهـمْ والنرجسـيـونَ الـذيـنَ تـجـمـدوا

العـابـدونَ نفوسـهـمْ وجيـوبـهـمْ مـن فـي عبـاءاتِ الفسـادِ تجـعـدوا

والجاثـمـونَ أمــامَ كــلِّ غنيـمـةٍ والساجـدونَ لـمـن يـحـلُّ ويعـقـد

جُـل العقيـدةِ والفضيـلـةِ عنـدهـمْ « قِرشٌ » يُوَحَّـدُ أو « ريـالٌ » يُعبـد

يجـرونَ خلـف بطونهـمْ ووراءهــمْ للحـقِّ أبــوابٌ تُـهـانُ وتـوصـد

فهـمُ الأسـودُ علـى بقايـا أرنــبٍ وهـمُ النعـاجُ أمـامَ مـن يستـأسـد

والديـنُ والدنيـا ســواءٌ عنـدهـم ذا مصـلـحٌ فيـهـا وذاكَ مـوحـد

مـا أعجـبَ الدنيـا التـي فـي حُبهـا بعضُ اللحـى تبكـي وبعـضٌ تسجـد


مازلتَ تشكـو ياحِجـازُ فهـل تُـرى سيـردُّ عنـكَ الظلـمَ يـومٌ أو غــد

أوَ تشتكـي والوحـيُ فيـك مـنـزلٌ و « البيتُ » فيكَ ومنكَ جاءَ « محمـد »

أوَ لسـتَ أرضـاً السـمـاءُ تُحبُـهـا ويحبُهـا ربُّ السـمـاءِ و « أحـمـد »

أوَ ليـسَ منـكَ المؤمنـونَ الأولــونَ ومنكَ أولُ مـن هَـدَوا ومـن اهتـدوا

وعلـى ثَـراكَ تقهقـرَ الكفـرُ الـذي اليـومَ أنـتَ بـهِ تُـحَـدُّ وتُجْـلَـد

مازلتَ تشكو بعضَ مـن ركبـوا الهـوى وتـعـددتْ أهـواؤهـمْ وتـعـددوا

فـهـمُ الـظـلامُ المستـبـدُّ بلـونـهِ وهمُ « الخوارجُ » والضبـابُ الأسـود

مـاذا إذا كتبـوا وقـالـوا وادعــوا لا أنتَ « بلقيسٌ » ولا هم « هدهد (1)»

فاللهُ أعـلـمُ بالـحـجـازِ وأهـلــهِ إن آمنـوا أو أشـركـوا أو ألـحـدوا

وغـداً ستنتصـرُ القلـوبُ وينتـشـى وطـنٌ هـو الحـبُ الكبيـرُ الأوحـد

وتسيـرُ مـن نَجـدٍ قوافـلُ حبـهـا فيزيـدُ مـن يهـوى ومـن يتبـغـدد

وتبـوحُ بالحـبِ الدفـيـنِ قصـائـدٌ فيحنُّ « زريـاب » وينشـدُ « معبـد »

ويعيـش ذاكَ الحـبُ شيـخـاً بينـنـا هو « مالكٌ » و « الشافعيُّ » و « أحمد »

وتظـلُ نـجـدٌ كالحـجـازِ كريـمـةً فالكحـلُ نجـدٌ والحـجـازُ الـمـرود


يـا سيـداً فــي مـوتـهِ وحيـاتـهِ هـــذا وداعٌ نـــارهُ لا تـبــرد

فاسـألْ قلوبـاً شَيعتـكَ إلـى مـتـى ستظـلُ مالِكَهـا الــذي لا يُـوجـد

فـي الحـبِ يشقـى العاشقـونَ بحبهـمْ وقلوبُنـا الـمـلأى بحـبـكً تسـعـد

ستظـلُ فارسـنـا الــذي تاريـخـهُ يُتْلـى علـى سمـعِ الزمـانِ ويُـسـرد

أسقيتـنـا لـبـنَ الإبــاءِ وخَـمـرهُ وتـظـلُ تسقيـنـا ونـحـنُ نعـربـد

والعلـمُ عنـدكَ لايـبـاعُ كغـيـره ِوالحـقُ عـنـدكَ سيـفُـهُ لايغـمـد

وتقابـلُ الأمجـادُ عـنـدكَ بعضـهـا فلكـلِّ مجـدٍ عنـد بـابـكَ مقـعـد

إن كـانَ فـي علـمٍ فكُـلـكَ عـالـمٌ أو كـانَ فـي نسـبٍ فكُلـكَ سـيـدُ


--------------------

(1)الآية الكريمة ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ﴿20﴾ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿21﴾ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴿22﴾ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴿23﴾ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَِّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ سورة النمل