أيها الأحبة..
إنكم بهذا الإحتفاء الحميم النقي تنكأون حنيناً جارفاً لم تعد روحي المنهكة تتحمله، وتثيرون أشجاناً ولواعجاً تعصف بها حد التشظي.
ألا تعرفون أن أصواتكم الصادحة تنطلق من الأرض التي كانت عليها شهقتي الأولى، ودمعتي الأولى، وخطوتي الأولى؟؟..ألا تعرفون أنكم تتحدثون من المهد الذي هدهدني ثم أطلقني إلى مجاهل الحياة؟؟ ألا تعرفون أنكم تتحدثون من الثرى الذي لم ينقطع الحبل السري بيني وبينه رغم المسافات والزمن؟؟
بلى تعرفون ذلك..فماذا تريدون فعله بي؟؟
سامحكم الله، أولاً..
وشكراً، ثانياً..
أما ثالثاً، فتأكدوا أنني لن أوارب الأبواب، ولن يكون غير الصدق وحده شعار حديثتا وعذراً على التأخير..
• العضو هامون..
كم كنت أتمنى ألا يكون سؤالك في أول القائمة. ومع ذلك دعني أقول لك..إن المسألة لا تتوقف عند المساءلة، بل تتعداها إلى حساسيات وإسقاطات ذاتية وخيالات وأوهام سببت لي متاعب وآلام وأحزان مع كثير ممن يتورطون في القراءة تحت وطأة مخزون نفسي كبير من سوء الظن والتشوهات المتراكمة. المشكلة يا صديقي، أنه يصعب على الإنسان أن يكتب، ثم يحمل حروفه إلى داخل كل جمجمة ليقوم بتفسير مقاصدها، ولذلك عليه أن يتوقع أي شيئ، ويتحمل أسوأ شيئ..أما بالنسبة لما أسميتها بـ (جهات خاصة) فإن الأمر ليس سيئاً جداً عندما تتضح الحقيقة وتتبين النوايا.
• دانة..
طالما الإسم دانة، فسأتحدث إليك كأنثى، وإن لم يكن الأمر كذلك فمعذرة على هذا الخطأ الكارثي..أشكرك كثيراً على هذا الإطراء تجاه محاولات لم تكن أكثر من واجب أخلاقي حتمي تجاه مجتمعي..لقد حاولت وحاولت، ولازلت أحاول. وحتى أكون منصفاً لابد من القول بأن هناك كثير من المسؤولين يتمتعون بوعي حضاري جميل وإحساس رفيع بالمسؤولية ، يبادرون بالتفاعل السريع والحوار الصريح، ثم التواصل المستمر لمعرفة سير الأمور..مثل هؤلاء المسؤولين، هم الذين يجعلون الأمل يكبر والتفاؤل يزدهر، وبسببهم يكون هناك مبرر للإستمرار في حريق الكتابة وإغفال أضدادهم الذين أبتلينا بهم.
• أبو مشعل..
سؤالك ملتبس بعض الشيئ، أو أن فيه رائحة الميّال إلى آفاق فلسفية..لا تتصور إن الإجابة سهلة، ولكنني سأحاول أن أقول: لا أرى فرقاً كبيراً بين الطب والكتابة الصحفية (الإجتماعية على وجه الخصوص)..في الطب أنت تحاول تشخيص وعلاج أوجاع الجسد، وفي الكتابة تحاول تشخيص وعلاج أوجاع مجتمع. وحين يستحضر الإنسان أحد الجانبين عند التعاطي مع الجانب الآخر فلربما تكون النتيجة أفضل..إنه قدري، حين يتأرجح عمري بين عذابين عظيميين.
• السهلي..
ربما أكون قد أجبت على سؤالك من خلال إجابتي على سؤال (دانة)، وإذا أردت الإضافة من واقع تجربتي، سأقول لك إنها نسبة تزداد شيئاً فشيئاً.
• فراس..
سؤالك ضخم يافراس، ومتعب، وخانق!!
سؤال يحتاج وحده إلى حبر كبير، ودمع كثير، وآهات تكوي ضلوع الليل..
كيف يمكن لي اختصار هذا الإتساع السرمدي والعذاب الأزلي في كلمات قليلة؟؟ سأحاول:
عندما تكتب صادقاً، فإنها معاناة..
عندما تتجرد من ذاتك وتمنح حروفك لغيرك من المتعبين والمسحوقين، فإنها معاناة..عندما لا يتلوث حبرك بالوصولية والتسلق على آلام الآخرين، فإنها معاناة..عندما تسمي الأشياء بأسمائها، فإنها معاناة..عندما تدرك جيداً بأن سطورك التي ستبقى بعدك، إما تكون رحمةً لك أو عاراً عليك،فإنها معاناة..
هناك من يدركون ذلك، وهناك من لا يدركون حتى لو سمعوا صرير أعصابك أو شاهدوا نزيف شرايينك..إنها مسألة لا يمكن التعميم فيها، فيها، أو تصويرها كالمعادلة الرياضية..
لقد تحققت بعض الأماني، وأنا سعيد بذلك..ومالم يتحقق، لن يجعل اليأس يهزمني.
• أبو علي..
أيضاً تطرقنا إلى هذا الجانب فيما سبق من إجابات. وهل تظن أن المسألة تمر هكذا ببساطة، لا سيما حين ترتفع وتيرة الإصرار على تصحيح خطأ ما أو المطالبة بأمر ما.
• التأريخ..
يصعب على الإنسان أن يعرّف نفسه أو يضع توصيفاً لها، هذا شأن متروك للآخرين وللتأريخ، يا أخي التأريخ!!
أما سؤالك الثاني عن الوظائف والجيزنة فلا أظنني الشخص المناسب الذي يملك الإجابة. يبدو أن شعار (زامر الحي لا يطرب) هو السائد..وإضافةً إلى ما قلته في مقدمة حديثي إليكم، أؤكد أنكم تعيشون زمناً مختلفاً في حين كنا ننتظر صحيفة تأتينا بعد أيام لا علاقة لها بالزمن..
حاولوا يا أحبتي أن تركزوا على القضايا الحيوية، حالوا أن تغوصوا في أعماق المجتمع، ولا تدعوا للهامشيات والثانويات مدخلاً لإستهلاك عقولكم المضيئة.
• محمد حسين صميلي..
إن أكبر كارثة يواجهها الكاتب هي الرقيب، لاسيما في ظل ضبابية المعايير وعدم وضوح الخطوط الفاصلة بين المسموح وغير المسموح، وكذلك الإجتهادات الفردية العشوائية والوصاية على النوايا..إن لعبة الكاتب والرقيب تظل الأكثر إرهاقاً وإيذاءً، ومع ذلك لابد من التعايش معها..
أما إتهامك لي بأن حالة شعرية تتلبس لغتي أحياناً، فصدقي إنني لم أشعر بذلك، ولا أحاول عامداً أن تخرج لغتي بلون معين..أنا أقبض على القلم واكتب بعفوية، ونادراً أراجع ما أكتبه..كيف يخرج؟؟ وكيف يصنف، صدقني لاأدري..
ليتني كنت شاعراً أحلق في فضاءات الشفافية والحلم بحرية مطلقة، بدلاً من هذا الهم اليومي الذي أتعبني، وأتعبتكم به.